هناك فارق كبير بالطبع بين أن نعرف تراثنا التاريخي من المستشرقين وأذنابهم من الرحالة الأوروبيين وأن نعرفه من دفاتر محاكمنا الشرعية القديمة وعقود البيع والمعاملات اليومية، فالأخيرة تعطينا انطباعًا أفضل وأوثق عن شكل الحياة الاجتماعية لتلك الفترة وخصوصًا فترة ما قبل الحداثة أو قبل أن يأتي الغرب وهي فترة فقيرة نوعًا ما بالدراسة وتبنَّى الحديث فيها مجموعة من المؤرخين من أصحاب المنهج الانتشاري الغربي في التأريخ أو النظرة الانتشارية والتي تعتبر أن التاريخ الأوروبي هو المركز والأصل والذي تبنى وتنتشر عليه تواريخ الأمم خارج أوروبا ومنها مصر كحالة فريدة، وأن قدوم الاستعمار إليها أخرجها من غياهب الظلمات إلى إشراقات النور وحل عنها الانحطاط والانحدار ليجعلها ترى التقدم والتنوير، وتلك النظرة تبناها أيضًا بعض المؤرخين العرب والمصريين في دراستهم عن المرأة المصرية في العهد العثماني فنقلوا عن هؤلاء المستشرقين كتاباتهم وزادوا عليها بنفس المعنى.

في مصر العثمانية ترك لنا أكثر من 50 ألف سجل مليئة بالمعلومات عن حال المرأة المصرية وظروف الزواج والطلاق والخلع وحقوق المرأة الشرعية في الإسلام.

البعض يرى أن قاسم أمين ورفاعة الطهطاوي في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين هم بدايات انتصار المرأة وتبلور دورها وحقوقها في الزواج والطلاق والإنجاب وحتى التعبير عن رأيها وذاتها، وتبلور هذا الدور في المشاركة النسائية الكبيرة في مظاهرات الاستقلال في 1919 كمثال لذلك «عندما تزوج رفاعة الطهطاوي وضعت زوجته عددًا من الشروط تم توثيقها في عقد الزواج فاعتبرت النساء أن هذا يعتبر انتصارًا للمرأة ممن تلقى تعاليمه في فرنسا ولكن كان قبل أن تأتي خيول نابليون كان هناك حقوق أكبر للمرأة من ذلك ولكنها لم تذكر في مجلدات الغربيين، فالمرأة المصرية في العهد العثماني كان لها ذمة مالية مستقلة عن كل رجالها (الأب والزوج والأخ والابن)، تقوم بمعاملاتها المادية مثلما تشاء فتولت نظارة الأوقاف رغم وجود الرجال كما كانت تضع الشروط المناسبة لها في عقد الزواج والتي لا تخالف ما أقره الشرع مثلًا في طلبها أن يأتي زوجها بخادمة لإتمام العقد أو تشرط في العقد أن زوجها إذا تزوج بأخرى يبطل العقد بينهما فورًا وتعتبر طالقًا، وهناك بعض النساء من اشترطن على أن ضرب الزوج لزوجته يبطل العقد فورًا وهذا كله من سجلات المحاكم الشرعية والتي تعتبر انتصارًا للمرأة قبل أن يأتي الغرب الذي يصور لنا دائمًا أنه أخرج المرأة لميادين العمل والاحتكاك بالآخرين بعد أن كانت حبيسة الحرملك العثملني.

تشير إحدى دراسات نيللي حنا عن مصر العثمانية أن وضع النساء المصريات في القرن السابع عشر كان أفضل حالًا من نساء إنجلترا وفرنسا حتى لو أتيح للأوروبيات حق التعلم فلم يتح لهن حق التملك والاستقلال المالي، فالزوج الغربي له الحق في كل ما تملكه زوجته بمجرد إتمام الزواج لذلك انتشرت ظاهرة مطاردة الساحرات في ذلك الوقت في أوروبا كما أشارت بعض الدراسات الأخرى إلى أن النساء في إنجلترا لا يحق للرجال تطليقهن إلا بعد إثبات وقوع الزنا عليهن وفي نفس الوقت نجد أن المرأة المسيحية المصرية تلجأ أحيانًا للمحكمة الشرعية لطلب الطلاق وإبطال العقد مخالفة تعاليم الكنيسة المصرية آنذاك.

الحرملك

يقول سهيل صابان في المعجم الموسوعي للمصطلحات العثمانية أن الحرملك هو القسم الخاص بالحريم في قصر طوب قابي وانتقل الاسم من إسطنبول إلى مصر مع دخول العثمانيين إليها عام 1517م، وقد استخدم المستشرقون والرحالة الذين زاروا مصر وخاصة الفرنسيين هذا المصطلح للدلالة على انتهاك حقوق المرأة المصرية وامتهان كرامتها في العهد العثماني فوصفها البعض بـ«سجينة الحرملك» فلم يدخل أحد من الرحالة للحرملك إلا الأطباء في حالات نادرة ولا يستطيعون التحدث مع المرأة إلا نادرًا وفي وجود أحد الأغوات ولكن أثبتت الدراسات الحديثة عن بيوت القاهرة أن النساء لم يكن معزولات في قسم خاص بالبيت ولكن الحرملك كان الجزء الذي يضمن خصوصية المرأة مع زوجها بعيدًا عن باقي المنزل حتى بيوت الأقباط كان يوجد بها حرملك خاص بالنساء، فالكتابات الكلاسيكية الغربية عن المرأة المصرية في العهد العثماني افتقدت للمرونة فهم لم يستطيعوا اقتحام حرمة المرأة فلجؤوا إلى الخيال في كتاباتهم التي سرعان ما انتقلت إلى الذهن الأوروبي العام.

حرية التنقل

قيل في كتابات الغرب أن المرأة المصرية لم تخرج من منزلها إلا في نظام معين وبمراجعة كتابات «ابن إياس» و«الجبرتي» و«البكري» نجد أن المرأة كانت تتمتع بحرية تامة في التنقل فأكدت الوثائق خروجها للأسواق وللتنزه وللحمامات العامة مرة واحدة في الأسبوع على الأقل، كما سمح للنساء المتزوجات تأجير حمار لزيارة أهلها وذكر أيضًا أن بعضهن ممن خرجن متبرجات كما وصف حسن الوزان في «ليو الإفريقي» فيقول «يظهر البذخ على لباس النساء فهن يخرجن متبرجات بالحلي التي يلبسنها على شكل أطواق على الجبين ويضعن عصابة غالية الثمن فوق رءوسهن وتتألف كسوتهن من ثوب من جوخ ذي أكمام طويلة ويضعن على وجوههن برقعًا صغيرًا أسود اللون» في إشارة لشكل التبرج في ذلك الوقت.

الوضع الاقتصادي للمرأة المصرية في العهد العثماني

يعتبر العصر العثماني هو الامتداد للعصور التي سبقته في الحقوق التي حصلت عليها المرأة والتي أقرها الشرع، فالمرأة المصرية لها ذمة مالية منفصلة عن الزوج ومن حقها البيع والشراء وإقرار المعاملات المالية مع الرجال والنساء من مختلف الأديان، فتشير إحدى وثائق المحاكم الشرعية في بند المعاملات أن الحرمة «جارية» اشترت قطعة أرض من «علي بن حسن بشنين» وكان البائع وكيلًا عن زوجته مما يعني أن البيع تم بين امرأتين وعملية البيع تمت بين رجل وامرأة أمام المحاكم الشرعية كما أثبتت وثائق أخرى حصول المرأة على حقها من ميراث زوجها المتوفى من مؤخر ونفقة وما تجمد لها من كسوة في ذمة الزوج وحالات الوراثة بالولاء كالولاء بالعتق ويسمى «العصبة» فقد اعتبر الشرع صلة المعتق بمن أعتقه هي صلة الدم ومن حقه وراثته إذا أراد ذلك قبل وفاته.

عمل المرأة المصرية في العهد العثماني

عملت المرأة المصرية في التجارة مما يدحض أي فكرة لعدم خروجها من المنزل، بل هناك من كان يسبق أسماءهن «المعلمة» كالرجال تمامًا مثل «المعلمة حبيبة بنت يوحنا جركيس النصرانية» وبعض النساء شاركن في نقل البضائع على المراكب في مدن ساحلية كالإسكندرية ودمياط ورشيد، وقد أشارت إحدى الوثائق إلى دخول المرأة المصرية في شراكة مع رجال غير مصريين، كما عملت المرأة في الزراعة كما أشار عبد الرحيم عبد الرحمن في كتابه «الريف المصري في العهد العثماني» أن المرأة عملت ملتزمةً في الأراضي الزراعية بداية من العام 1732م وأن عدد النساء اللاتي عملن في الزراعة وصل إلى 13% تقريبًا مقارنة بالرجال وكان هناك بعض القرى كان أغلب ملتزميها من النساء مثل قرية تلبانة بالشرقية.

استثمرت المرأة أيضًا أموالها في الأوقاف وشراء العلوفات وإن امتازت بذلك نساء الطبقات العليا في المجتمع مثل بنات أمراء المماليك وزوجات العسكريين.

تشير الدراسات الحديثة أيضًا إلى أن النساء مارسن مهنًا أخرى مثل الغزل في أسواق القاهرة وصنعت المنسوجات الحريرية والقطنية والكتانية وشاركت في الطوائف الحرفية التي انتشرت في ذلك الوقت وكانت تصدر منتجاتها إلى الغرب وخاصة فرنساـ، كما انتخبت لرئاسة بعض الطوائف الحرفية كالتمشيط والنقش لتكون مرجعًا لغيرها من النساء، وعملت بعض النساء في مهنة الداية التي تقوم بتوليد النساء والبلانة التي تتولى تزيين النساء في البيوت والمناسبات.

سجلت الوثائق أيضًا أن المرأة المصرية عملت خبيرةً في المحاكم الشرعية ومشرفة في الأوقاف مثل حفيدة شيخ الطريقة الكلنشية الصوفية والسيدة «قمر» زوجة المؤرخ «محمد بن أبي السرور البكري» والتي كانت ناظرة على وقف والدها، وهناك بنت العالم الطبيب «ابن الصائغ الحنفي» الذي كان رئيس الأطباء والتي أصبحت رئيسًا لأكبر مستشفيات مصر آنذاك وهو «البيمارستان المنصوري» نتيجة شغفها بعلوم الطب وراثة عن أبيها، وبلغت المرأة منزلة كبيرة في تحصيل العلوم وتولي المناصب العلمية المهمة، كالسيدة نفيسة بنت الشيخ أبي الحسن البكري الصديقي والتي كانت تجلس لتدريس العلوم للنساء.

أوقاف المرأة المصرية في العهد العثماني

وقد أوقفت العديد من النساء ما يحفظ لهن ذكرهن في أعمال البر والخير مثل السيدة «فاضلة ابنة الشيخ أبي عبد الله بن شمس الدين البكري» التي أنشأت جامعًا بالقرافة مجاورًا لمقام والدها يتعلم فيه خمسة أطفال القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم وعليه راتب وجراية لكل يتيم، وهناك أيضًا السيدة «آمنة بنت الأمير بشير» التي أوقفت كل ما تملكه على القراء والمعينين بالمدرسة الجوهرية، والسيدة «أم الهدى ابنة الشيخ أبي الأكرم بن وفا» التي قامت بإنشاء زاوية بها جناح لتأديب الأطفال وتعليمهم القراءة والكتابة، والسيدة «كلسن» وكان لها وقف سبيل عرف باسمها بقنطرة سنقر بالقاهرة، ولم يكن الوقف حكرًا على فئة معينة من النساء فهناك أوقاف لنساء أهل الذمة وللمعتوقات من كل الأديان والفئات.

وجهت الدراسات الغربية أقذع الاتهامات للمرأة المصرية في ذلك العصر واعتبرتها مقيدة بالقيود والأغلال نتيجة تعدد الزوجات في ظل نظام الحريم، ولكنها كانت أقوى من تلك الاتهامات واستطاعت الوثائق التاريخية للمحاكم الشرعية أن تنقذ سمعة المرأة من بطش كتابات الغرب وخيالاتهم وتنصرها وتثبت حقائق مهمة منها تخص المرأة المصرية نفسها وقدرتها على الخروج والتعلم والعمل والتأثير في المجتمع، ومنها إثبات أن الهجمة الاستعمارية على مصر وظهور الحداثة سبقها تقدم على مستوى الحياة الاجتماعية وأن خيل نابليون المنادية بالتحرر والتنوير ما هي إلا محاولة لطمس الهوية وإخراج الأمة من دورها الحقيقي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

- نيلى حنا ( مصر العثمانية ) - أحمد زكريا الشلق ( الامبريالية والحداثة ) - ناصر عبد الله ( الحركة العلمية ) - عبد الرحمن عبد الرحيم ( الريف المصرى فى العصر العثمانى ) - كتابات " الجبرتى " و " ابن ياس " من وثائق المحاكم الشرعية
عرض التعليقات
تحميل المزيد