إذا سافر أي مصري للعمل في الخارج خاصة في دول الخليج , أول نصيحة توجه له ” احذر المصري ؛ لأن المصري مالوش أمان في الغربة ومستعد في أي وقت أن يبيع ابن بلده ”

كلمة تتردد باستمرار ونري أن الجميع يكررها علي اعتبار أنها حقيقة وأمر واقع , وأنها صفة راسخة في المصريين , كلون الشعر الأسود , والبشرة الخمرية , والعيون البنية. ولكن هل هذا يحدث فعلا ؟ وإن حدث : فلماذا يحدث ؟

الشاب المصري بعد التخرج ومع بداية دخوله في سوق العمل والتحاقة بأي عمل , يصدم بواقع مخيف وسلطات كبيرة لأصحاب العمل , ويجد أنه لا يتمتع بأية حقوق وبما أن الدولة هي دولة رجال الأعمال , فبالتالي لا تقوم بحماية العامل ضد هذا المستغل , بل تقوم بالدفاع عن صاحب العمل وصياغة قوانين تؤكد وترسخ سلطته علي العمال.
وتقوم من خلال أجهزتها الأمنية بقمع العمال ماديا من خلال معاقبة كل من يكسر تلك القوانين بالحبس وتعريضه للاعتداء , وليس ذلك فقط ، بل من خلال أدواتها : الإعلام والتعليم والخطاب الديني للدولة ، تصدر للعمال أن المشكلة والأزمة في سوء أخلاق الشعب ، فيكون العامل للأسف ضحية سهلة لذلك .

ينتقل الصراع من مضمونه الحقيقي بين العامل والرأسمالي إلي صراع بين العمال بعضهم البعض !

يدخل العامل في صراع مع زميله بدلا من أن يشتركا معا في معركة ضد هذا المستغل الذي يستنزفهم لتحقيق أرباحه , وبناء قصوره وسياراته وحياته المرفهة التي لا يراها العامل ، إلا في التلفاز.

مع شدة المنافسة في السوق بين الشركات الرأسمالية يقوم الرأسمالي بتسريح عدد من العمال , فيشعر العامل بالخوف علي نفسه وعلي أسرته , ومن بالخارج يسعي باستماتة للبحث عن فرصة عمل جديدة تحت قسوة الحياة الصعبة , ومع ازدياد نسبة طابور البطالة من القوى الإنتاجية الجديدة المعطلة التي تصل إلي سن العمل ؛ يبدأ الرأسمالي في محاولة منه لتخفيض الرواتب والأجور التي يعطيها للعمال .

فيقوم بإدخال عمال جدد لسوق العمل لديه ، والهدف الرئيس من ذلك هو الإطاحة بالعامل القديم صاحب الأجر الكبير , وتعيين بدلا منه ذلك العامل الجديد بأجر صغير وبهذه الطريقة يستطيع الرأسمالي توفير جزء من التكاليف تتيح له فرصة أكبر للمنافسة , وتحقيق هامش أكبر من الأرباح وتراكم أكبر للثروة.

ويكون هذ العامل الجديد غير مدرب وغير قادر على تنفيذ العمل مما يضطره إلى تركه فترة لتعليمه ويكون المكلف بتعليمه هو غالبا العامل الذي يخطط الرأسمالي للإطاحة به وتسريحه من العمل!

غالبا ما يدرك العامل القديم سبب مجيء هذا العامل الجديد , فيدخل في منافسة مع رفيقة في العمل تصل إلي حد أن يقوم العامل القديم بحجب معلومات العمل وعدم إيصال المعلومة بشكل سليم , ويقوم كل منهم بافتعال أزمات.
ومع استمرار العداء يتحول الموقف إلي معركة حقيقية مستترة تنتهي ، إما باستطاعة العامل القديم جعل الإدارة تقرر تسريح هذا العامل الجديد بناء على فشل العامل في استيعابه لوظيفته . و يخرج وهو يشعر بكل الكره للعامل السابق على اعتبار أنه هو من تسبب في تركه للعمل , ويبدأ العامل القديم للاستعداد للمعركة القادمة مع العامل التالي.

ولكن غالبا ما تنتهي بتسريح العامل القديم , وهنا يشعر العامل بالقهر ؛ لأنه قام بتعليم هذا العامل الجديد ، مدعيا أن العامل الجديد هو من أطاح به بعد أن قام بتعليمه.
أخبار هذه المعارك الجانبية بين العمال تنتشر بين الناس بشدة وبشكل سريع وتصبح عبارة عن خبرات زائفة يتناقلها الناس فيما بينهم . خاصة بعد تجسيدها في المسلسلات والأفلام والأغاني وانتشار الخطب الدينية التي تتحدث عن سوء الأخلاق والخيانة بين البشر فيسقط المجتمع كله ضحية لهذه الأكاذيب المنتشرة بين الناس .

وبما أن الوضع في مصر في شدة السوء ، وأزمة البطالة تزداد يوما بعد يوم , فيسعي كل شاب إلي البحث عن فرص عمل خارج البلاد ، وغالبا ما تكون دول الخليج , ليواجه بنفس الاستغلال ، ولكن بشكل جديد وهي أنظمة دول الخليج التي تعيش علي امتصاص دماء العمال الأجانب.

فيبحث عن فرصة عمل جديدة ذات عائد أكبر في تلك البلدان ، خاصة ، الفرق الذي يحققه فرق العملة ، ويكون في البداية متخيلا أن الوضع سيكون جيدا وأفضل من مصر , ولكن بعد أن يقوم تجار النخاسة في مصر , و”هي شركات إلحاق العمالة بالخارج” بنهب جزء من المال من هذا الشاب البسيط الذي غالبا ما يكون مقترضا أموال السفر من أحد أقاربه أو أصدقائه .

يعد الشاب نفسه استعدادا لهذه الرحلة الجديدة , ليواجة مأساة ليس لها مثيل حتي في مصر وهي نظام الكفالة وسلطات كاملة للكفيل وشركاته تتيح له استغلال هذا العامل الجديد بأبشع الوسائل ودون أية قدرة على المواجهة أو حتى الاعتراض.

ومع ضغط الديون التي يخرج بها المصري ، والمطالبة بسدادها وشدة الحالة المادية لديه ولدى اسرته التي تنتظر منه تغييرا في الظروف السيئة التي تعاني منها في مصر يصبح وسيلة مثالية للاستغلال والقبول والخضوع والاستكانة لهذا الوضع القهري الذي يفوق الوضع في مصر.

ومع استلام ذلك العامل الجديد لعمله , يبدأ في صراع حين يطلب منه مديره أن يتعلم ما يقوم به زميله القديم , و دون حتى أن يدري أحدهما , لا يكون ذلك إلا وسيلة لتسريح العامل القديم صاحب الأجر الكبير , وتثبيت هذا العامل الجديد , فتستمر العلاقة جيدة بين الاثنين حتى يزرع رئيس العمل بين العاملين الضغائن .

ويكون ذلك علي سبيل المثال ، عن طريق قوله : ” إنه لا يريد تعليمك . احترس منه فإنه ينقل عنك بعض الكلام . إلخ ، لينتهي الموقف بتسريح العامل القديم ، والذي يعود متحدثا عن خيانة المصري ابن بلده له دون أن يتحقق من طبيعة الموقف وعن المتسبب الحقيقي وصاحب المصلحة الحقيقية في طرده , ودون حتى مراعاة لظروف ووضع الآخر ، ولا قراءة متأنية للموقف.

ولو نظرت إلى الرجل الذي تم تسريحه فليس للمصري الآخر ــ العامل الجديد ــ دخل في ذلك ، فهو أصبح بعد سفره ـ والصدمة التي لا قاها في هذا المجتمع الجديد ـ مجبرا على تنفيذ أوامر مديره ، وإلا سيعود مرة أخري الي بلده وهو محمل بالديون ، وشعور الفشل والخيبة يقتله من داخله والعودة للأوضاع المأساوية لدى اسرته دون تغييرها.

وإذا نظرت للشخص الآخر ــ العامل القديم ــ الذي كثيرا ما يمتنع عن تعليم الشخص الجديد فإنه هو الآخر يدافع عن حياته ومستقبل أسرته وأولاده , ولا يستطيع الخسارة والعودة مرة أخرى الي حياة غير مستقرة يشوبها الخوف المستمر من المستقبل.

ذلك ما يحدث وما يعتقدون أنها المشكلة ، مشكلة في المصريين دون أن يدركوا أن ذلك كله مخطط له منذ البداية من قبل أصحاب العمل لتوفير التكاليف لتحقيق هامش ربح أكبر.

ومصر هي أكبر الدول العربية في عدد السكان , وأكبر الدول العربية في نسبة البطالة فهي أكبر دولة تصدر عمالة للخارج وأكبر دولة تتعرض لهذه الانتهاكات , وتعاني منها بشكل مضاعف عن الدول الأخري والظروف الاجتماعية والاقتصادية بها أشد من الدول الأخري.

ولذلك فليست المشكلة في المصري كما يظن الكثيرون ، إن المشكلة في طبيعة النظام الرأسمالي وأصحاب العمل الذي يسعون باستمرار لتحقيق أكبر هامش ربح ممكن ولا يسعون إلا للربح ولا يهتمون بمعاناة الملايين ولا صرخات الجوعي ولا تأوهات المرضي.

إنه لا يعنيه في شيء عائلات العمال الذين سيتضورون جوعا بعد تسريحهم وتركهم لأعمالهم إنه لا يبالي بذلك.

أنه لا يسعي إلا للربح , ولا شيء سوي الربح , ولذلك يجب عدم الخضوع للسيطرة الفكرية لهذا النظام وأكاذيبه التي تنتشر بيننا من خلال إعلامه ووسائل تعليمة وخطابة الديني المزيف.

وعلينا أن نبني حزبنا الثوري القادر على أن ينشر الوعي الثوري الحقيقي ويوضح للمجتمع طبيعة انحياز الدولة لرجال الأعمال ضدنا نحن العمال , وأن ننقل الصراع الزائف بين العمال بعضهم البعض إلى الصراع الحقيقي بين جميع العمال والنظام الرأسمالي للإطاحة به وكسر كل القيود والقوانين الظالمة والإطاحة الكاملة بهؤلاء اللصوص , وبناء مجتمع عادل ينعم كل مواطن بالحياة الكريمة والحرية ويعيش بكرامة وشرف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الغربة, سفر, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد