المتأمل لآراء وقناعات المصريين خلال الأعوام الأخيرة يجد عجائب لا يكاد العقل يستوعبها، فلقد أصبح الهوى اللعوب والتعصب الأعمى للرأي سمة الكثيرين، فهذا ينافح عن جماعته وحزبه مهما ارتكبوا من أخطاء بل ويقنع نفسه بأنهم على حق ولا تزال عبارات «الانقلاب يترنح» و«بكرة تشوفوا مصر» وغيرها تلاك بين الأسنان كالعلكة،

ما زال فريق كبير من الشعب المصري يرى أن أي انتقاد للسيسي فهو قدح في الذات الرئاسية لا يصدر إلا عن إخواني عميل لقطر أو تركيا باع وطنه وتنجست روحه بالخيانة.

وما زال فريق يحيا وهْمَ «مرسي راجع»، وما زال فريق ثالث – حزب الكنبة – يصر على تسليم أذنيه للإعلام وتصديق كل ما يقال حتى وإن انتفى مع أدنى مستويات العقل والمنطق.

وما زال فريق من السلفيين – المداخلة – يسبحون بحمد أي نظام مهما كان ويتعاملون مع أي حاكم على أنه ولي الأمر الشرعي حتى إنهم اعتبروا قادة الاحتلال الأمريكي في العراق هم ولاة الأمور الشرعيين الذين تجب طاعتهم في السراء والضراء.

وما زال فريق من المصريين يطوفون حول قبور من يعتقدون أنهم أولياء ليسألوهم ما لا يقدر عليه إلا الله، وما زال المتيمون بداعش يرددون «باقية وتتمدد»، وما زال الملحدون ينافحون عن نظرية دارون رغم أن من نشأت بين أظهرهم لفظوها منذ زمن، وما زالت الأفكار الخبيثة والعقائد الواهية تعصف بالبعض كريشة في مهب الريح.

لكن ترى ما هو سبب تكون كل تلك القناعات العجيبة؟ كيف يعقل أن ينافح أي إنسان لديه «عقل» عن أمثال تلك الخزعبلات؟

لفترة طويلة اعتقدت أن غياب النقاش الموضوعي والجدال المنطقي هو السبب الرئيس في تكون طبقات الجهل والآراء العجيبة والقناعات المريبة، وهذا حق بنسبة ما، لكن ظل جزء من الحقيقة محجوبًا عني، حتى توالت الحوادث والأحداث والنقاشات والجدالات مع طيف واسع ومتناقض من معتنقي تلك الأفكار الواهية والقناعات اللزجة، فاكتشفت أن جزءًا ليس بالقليل ينافح عن أفكاره ويؤمن بمعتقداته وآرائه ليس لأن لها نصيبًا من الحق أو قدرًا من الواقعية أو ركيزة سببية منطقية وإنما فقط لخلل نفسي، لاضطراب في الشخصية، لهوى متبع، والأمثلة على ذلك كثيرة للغاية.

أتذكر منذ سنوات قليلة اشتهر شاب بأنه ملحد وبدأ يخبر زملاءه بذلك بحماسة وتعال، تارة تصريحًا وأخرى تلميحًا، فقررت مجموعة من أصدقائه استضافة «شيخ» لمناقشته في أفكاره عسى أن يعود إلى جادة الطريق، وبعد دقائق من النقاش اتضح للشيخ بجلاء أن هذا الشاب ثائر الشعر غريب اللباس لا يعرف أي شيء عن الإلحاد، وعندما صدمه الشيخ بتلك الحقيقة ما كان منه إلا أن صاح في الشيخ بحدة «والله العظيم أنا ملحد»، تأمل كيف وصل به الحال إلى تلك الكوميديا السوداء، قطعًا ليس الأمر متعلقًا بأسباب وشبهات وبحث وقراءة إنما هو متعلق برغبة الشاب في التميز، فهو شخصية تعاني من عقدة الدونية فهو يشعر أنه شاب عادي جدًا بل أقل من باقي أقرانه فأحب أن يتميز بشيء أي شيء وحينها هداه تفكيره المريض بأن يصرح بأنه ملحد، ومع كل نظرة استغراب أو كلمة استهجان تصدر من زملائه كان يزيد شعوره بالتميز ولسان حاله يقول هؤلاء الجهلاء في القاع ينبغي لهم أن يرتقوا مثلي، قس على ذلك المثال مئات بل آلاف الحالات الأخرى التي ربما لم تبلغ تلك الدرجة من الشذوذ الفكري والعوار النفسي إلا أن لها نصيبًا منهما، ربما يتلبسان موظفًا في مصلحة حكومية يُري الناس الأمرين ويعقِّد كل ما هو يسير لا لشيء إلا ليشعر أن له قيمة وأن بمقدوره تعطيل مصالح الناس والتأثير في حياتهم، ربما يكون شيخًا أزهريًا يلهث وراء الأضواء فيتقمص دور «العالم المستنير متفتح الذهن المجتهد بلا حدود» فيلوي أعناق النصوص ويحرف ويهذي بأي هراء وبالطبع تتلقفه القنوات الفضائية لتبرز العالم الأزهري الذي يهدم ضلال أربعة عشر قرنًا ليفهمنا ديننا الذي جهله الصحابة ومن تبعهم في زعمه.

المجتمع مليء بمثل تلك العقد النفسية فوفقًا لأحدث الأبحاث – المنشورة عام 2009 – فإن نسبة من يعانون من أمراض نفسية في المجتمع المصري تبلغ حوالي 17%، جلهم لا يتلقى أي نوع من العلاج ولا يتعاهده أي طبيب نفسي بل ولا يدري أنه يعاني من خلل نفسي، تخيل أن واحدًا من كل خمسة أشخاص تتعامل معهم يعاني من مرض نفسي ويؤثر ذلك قطعًا في آرائه وقناعاته الفكرية، ومن الجدير بالذكر أنه من المتوقع أن تلك النسبة قد ارتفعت بشكل ملحوظ عقب الاضطرابات الأخيرة التي مرت بمصر، لكن لا أبحاث دقيقة أجريت مؤخرًا لقياس ذلك.

نخلص مما سبق أنه لا بد من تغيير استراتيجية تعاملنا مع المنحرفين فكريًا، فقطعًا ليس النقاش الموضوعي فقط هو العلاج في كل الأحوال، المعالجة النفسية لها دور هام للغاية، لا بد أن نرفق كثيرًا مع كل من نتحاور، نتزاور معهم، نهديهم، نبسم في وجوههم، نتحمل عثراتهم وزلات ألسنتهم، لا بد أن نراعي أن كثيرًا من معتنقي تلك الخزعبلات يدركون جيدًا أن حججهم واهية هشة سقيمة لكنهم لن يتروكها بل كلما أوضحت لهم عوار أفكارهم وفساد استدلالاتهم – بأسلوب أو في وقت غير مناسب – زادوا تشبثًا بها، إننا – نحن المصريين والعرب – في أمس الحاجة لثورة نفسية تغير تلك الشخصيات المضطربة، تزيل عنها نتن الواقع الذي غاصوا فيه حتى الأعناق، تطهرهم من الهزيمة النفسية التي أصبحت كالدم يجري في عروقهم، تعيد إليهم النفسية السوية التي تقبل الحق بسماحة وإن خالف هواها وتعرض عن الباطل بعزة وإن داعب شغاف القلب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المصريون, مصر

المصادر

عرض التعليقات