للأسف أو للسخرية! تلك حكايات تهم جميع من يسكنون مصر المحروسة.
إن بالجعبة الكثير مما لا يحتمله مقال واحد؛ فهناك حكاية الذبحة الصدرية وحكاية صعيد مصر وحكاية الأطباء والتدييل! وحكاية نقص الأدوية الحيوية، وحكاية الأدوية المغشوشة.

ولكن دعوني أخبركم ببعضها فقط في هذا المقال والبقية تأتي قريبًا ربما.

ثقب شرياني في قلب طفل (PDA)

أنجب صديقي طفلًا قبل ميعاد ولادته المفترض بعدة أسابيع، طفلًا (premature). أدخله حضانة بمستشفى خاص كبير – نظرًا لما نعلمه جميعًا عن الوضع المزري للمستشفيات الحكومية نتيجة عدم اهتمام الحكومة بالوضع الصحي لمواطنيها، إذ إن التعليم والصحة يأتون في ذيل قائمة اهتمامات الصرف الحكومي – وأنا لن أخبركم الآن عن مدى السرقة والنصب وعدم الكفاءة الطبية أيضًا بالمستشفيات الخاصة بمصر فتلك حكاية حزينة أخرى.
شخِّصَ الطفل بثقب شرياني في القلب (PDA) ومرت الحالة على طبيب الحضانة واستشاري الحضانة هو بالمناسبة أستاذ دكتور أطفال جامعي، وعرض صديقي طفله المريض على دكتور جامعي تخصص قلب ودكتور جامعي تخصص أطفال بعيادة خارجية فكان ردهم جميعًا: تابعْ معنا وإن شاء الله سيقفل تلقائيًا في خلال عدة أشهر.
أنا لست معترضًا على القول فعلًا مثل تلك الحالات سيغلق الثقب الشرياني في خلال عدة شهور، ولكن هناك علاجًا طبيًا مساعدًا مهمًا جدًا لمثل تلك الحالات ويسارع في التئام الثقب وكأن لم يسمع به أحد!
علاج الإندوميثاسين أو الإبيوبروفين كما ثبت حديثًا بديل له بنفس الكفاءة يساعدان بصورة كبيرة في علاج هذه الحالة الطبية وغلق الثقب سريعًا. وحينما أخبرت صديقي بذلك أخبره أستاذ دكتور الأطفال الجامعي بعيادته الخارجية أن هذا العلاج كان سيساعده بالفعل لكن الوقت تأخر بالنسبة لطفلك، وعمر الطفل حينها كان 6 أيام مع العلم أن هذا العلاج فعال للطفل إذا أُعطِي في خلال أول 10-14 يومًا!

أصابني الجنون والغضب حينها وأصابني القلق والخوف على ابنة أخي المنتظرة ولادتها بعد أيام قلائل – إن شاء الله – هل هذا هو المستوى الطبي الذي ستتلقاه؟!
وماذا عن أفراد أسرتي وأحبائي بعد رحيلي المنتظر قريبًا!

حكاية التهاب الزائدة الدودية (حالة طارئة جراحية)

ذهبت بأحد أقربائي لمستشفى الجامعة حيث كان التشخيص المبدئي زائدة ملتهبة سواء من الأعراض الطبية أو تقرير صورة الدم الذي أحمله بيدي، الذي يحمل عدد الكرات البيضاء مرتفعًا جدًا دليلًا مؤيدًا للتشخيص المبدئي.

استقبلنا نائب الجراحة بالاستقبال وشرحت له الحالة الطبية وعرفته بنفسي بأني طبيب زميل وهذا أبي آملًا باهتمامه، وبعد أن كشف الفاشل عليه أخبرني بأننا سنعلق له محلولًا وسنضيف عليه كوكتيلًا شهيرًا من بعض الأدوية الطبية غير المفيدة في مثل حالته ودعه ينتظر عدة ساعات!

حتى إني لما أخبرته على الأقل من فضلك نريد مسكنًا للألم فأخبرني بمعلومة طبية من تاريخ الطب، وهي ممنوع المسكنات في حالات آلام البطن الجراحية – وتلك معلومة طبية شائعة قد ثبت أنها خاطئة – يبدو أن لا أحد يقرأ في مجاله تلك الأيام!

وأشكر الله أني قابلت حينها صديقين قدامى من أيام الدراسة يعملان بنفس القسم الجراحة العامة، وهما أكبر من نائب الجراحة بالاستقبال وحينما حكيت لهم ورأوا الحالة أعدوها فورًا للجراحة لأن الحالة فعلًا كانت لا تحتمل الانتظار.

وبالفعل أُجريت جراحة عاجلة وبالفعل الزائدة الدودية الملتهبة كانت على وشك الانفجار كما أخبرني الجراح لاحقًا، ماذا لو لم أقابل أصدقائي؟ سؤال أطرحه على عقلي كثيرًا؟ وما مصير من لا يعرف أحدًا؟

ربما كان مصيره أن تنفجر زائدته وقد يصاب بتسمم الدم وتلك مصيبة خطيرة قد تؤدي إلى وفاته.

السيدة الحامل ومزرعة البول!

حينما أخبرت أحد معارفي وهي حامل أنه من الضروري أن تقوم بتحليل مزرعة للبول (urine culture) وحينما أخبرت طبيبي أمراض النساء والولادة – إذ إنها تتابع حملها عند طبيبين مختلفين – وكلاهما أستاذ دكتور جامعي سخرا مني كلاهما! وأخبروها لا أنها لا تحتاج عمل مزرعة البول.

مع العلم أن مزرعة البول وليس تحليل البول العادي هي الطريقة الوحيدة للكشف عن حالة طبية تصيب 8% من الحوامل وهي asymptomatic bacteriuria in pregnancy، ومعناها تواجد بكتريا غير معبرة عن نفسها بالأعراض أي صامتة و30% ممن يعانين من تلك الحالة إن لم يتلقين العلاج المناسب فسيحصل مضاعفة خطيرة وهي pyelonephritis وهي التهاب بكتيري بالحوض والكلية، وتلك حالة خطيرة على الأم الحامل ولها أيضًا مضاعفات على الجنين كفيلة بإنهاء الحمل أو الولادة المبكرة.

صفحة طبية على الفيس بوك تحمل ربع مليون إعجاب حتى الآن!

بالرغم من اعتزالي الفيس بوك تقريبًا مذ حين وأدخل أحيانًا بعيدة لأتحدث مع أخي المسافر خارج مصر؛ لفت انتباهي متابعة أخي المنتظر مولودته قريبًا صفحة طبية لطبيب أطفال بها نصائح طبية سريعة!

إحدى النصائح التي استوقفتني كثيرًا إذا شرب طفلك البنزين والكحول والكلور فأعطِ له أقراص كربون!

للأسف الشديد أمانة الكلمة في مصر لا تسأل عنها! أنا أرى استسهالًا واستخفافًا شديدًا لدى كثير من المصريين في إبداء الرأي والكلام في أي موضوع! من إعلاميين وصحفيين ورجل الشارع وكل فئات المجتمع تقريبًا.

مع أن البديهي والمنطقي حين تتحدث لابد أن تعرف ما تتحدث عنه!
أنا لن ألزِم أحدًا باتباع فلسفتي عن الكلمة والرأي وأنه لتخبر رأيًا بمسألة ما لابد أن تدرس المسألة جيدًا وتقرأ وتتعلم كثيرًا حتى يكون الرأي ذا معنى.

ولكن على الأقل أن تتعلم المعرفة الأساسية عن الموضوع الذي تخبرنا فيه برأيك!

ومن المعلوم من الطب لدارسيه وأساسيات علم السموم أن تسمم البنزين تسمم هيدروكربون، وأن الفحم المنشط (Activated charcol) الذي يعطى بالمستشفى لبعض حالات السموم غير مفيد في مثل هذه الحالة نظرًا لأنه لن يساعد في امتصاصه.

وأن الكحوليات أيضًا مع اعتراضي على توصيفها بالتسمم لأن التسمم يحدث من أنواع أخرى غير الخمور التي يتناولها الناس.
أنواع مثل الميثانول والإيثلين جليكول وبغض النظر تسمم الكحوليات أيضًا لن يفيده الفحم المنشط الموجود بأقسام التسمم لأنه لن يمتصه أيضًا.

وأما المواد الكيميائية الحارقة مثل الكلور؛ فالفحم المنشط يعد من الموانع النسبية أصلًا في مثل هذه الحالات، أولًا لأنه أيضًا لن يمتص الكلور. وثانيًا قد يعيق عمل التدخل بالمنظار الطبي اللازم لبعض الحالات.

صحة المصريين جميعًا في خطر إلا لو كنت تسافر دولًا أجنبية متقدم بها الطب لتلقي علاجك!

الوضع سيء للغاية بمصر للأسف في كل المجالات وأخطرها التعليم والصحة، تلك حقيقة أخرى. والحقائق تظل حقائق سواء أعجبتك أم لا!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد