لا بد لقارئ القرآن، والمتدبر في آياته، أن يلاحظ في كل قصص الأمم السابقة الذين كذبوا الأنبياء وطاردوهم ورموهم بالجهل والسحر، أنهم حظوا بنصيب من دنياهم فاشتروها بآخرتهم، تمتعوا بذنوبهم قليلاً، ولكنهم تمتعوا!

فهاهم قوم لوط كانوا يأتون الفاحشة مع الرجال دون النساء، وقوم شعيب الذين طففوا الميزان، وقوم عاد الذين برعوا في فنون العمارة وشيدوا القصور والبيوت في قلوب الجبال، وقوم ثمود أولو القوة والبأس، كل أولئك، وبمقياس المتعة الدنيوية، قد نالوا نصيبًا منها، تمتعوا بدنياهم، إلا قوم فرعون أو بلغة أخرى (المصريين) باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم، فلا هم نالوا نصيبًا من الدنيا، ولا نالوا حظًا في الآخرة!

قد نعتبر كفر الأقوام وإصرارهم عليه، له تفسير مقبول في منطق أهل الدنيا، حاربوا الرسل من أجل مكتسباتهم ومن أجل حظوظهم الدنيوية، وقد نالوا بعضًا منها، من قبل أن يأتيهم العذاب بالطبع، أما قوم فرعون فقد كانوا أولي جهل شديد، كانوا يطيعون فرعون، وهو يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم، ويعيث في الأرض فسادًا. كانوا قومًا من الحمقى يستخف بهم فرعون وجنوده، ومع ذلك كان لهم رأي آخر، فقد كذبوا موسى والآيات التسع وحاربوه مع فرعون، حتى أنه قيل في بعض كتب التاريخ أن عدد الجنود الذين ذهبوا وراء موسى رضي الله عنه وغرقوا في البحر ألف ألف جندي، أي مليون!

كانت هذه القصة التى تكررت كثيرًا وكثيرًا في القرآن، تُنبِئ بأن هؤلاء الحمقى المستذلين، كانت لهم من المفاهيم المغلوطة ما يستعصي حمله على الجبال، ومن تكوينهم العقلي والنفسي ما يجبرهم على الرضا بمثل هذا الموقف الدنيء، تركيب لا يستطيع حتى أن يدرك أبعاده من ليس له عقل ولا قلب من طلاب الدنيا، ولا أتكلم هنا عن إيمان أو معتقدات دينية، بل أتحدث عن مطالب دنيوية!

وقد يظن البعض أن هؤلاء هم قوم فرعون فقط، وأن المصريين قد انصلح حالهم بعد غرق هؤلاء القوم، لكن هذا أمر جد عبثي، فقد ظهر جليًا امتداد هذه المفاهيم إلى أبنائهم عندما احتُلَّت مصر بعد ذلك من قبل البطالمة والرومان، وكان الرومان يعيثون في الأرض قتلاً وحرقًا في نصارى مصر، وكان المصريون وقتها يعيشون في سكون غريب، لم أجد له تفسيرًا، إلا أنه امتداد لفعل هذا التركيب العقلي في نفوس آبائهم وأجدادهم من قوم فرعون.

لا أتحدث هنا عن تعذيب المستعمر ولا طغيانه، إنما أتحدث عن نظرية أزعم أنها شغلت كل مفكر اهتم بأمر المصريين والأمة واهتم بالبنية العقلية والمفاهيم التي تراكمت في نفوس المصريين، وأقول نفوسًا وليست عقولاً، لأن العقل قد يعمل بعض الوقت فيحاول أن يعدل من مفاهيمه وإدراكه، ولكن تراكمها في نفوسه تشير إلى سهولة تطبيعه على مفاهيم حتى وإن كانت غريبة أو متناقضة مع هويته، نظرية تشير فحواها إلى أن هذه المفاهيم تحولت إلى صفات وراثية تناقلتها الأجيال تلو الأخرى، جينات خضوع وذل في المقام الأول، جينات (الكرباج)، جينات (سي السيد) انتقلت من أجيال المصريين القدماء، إلى أجيالنا هذه.

وعلى غير المتوقع، لم يكن الإسلام قد غير كثيرًا في نفوس المصريين، بل يُعتقد أن العرب المسلمين الذين فتحوا مصر واستقروا بها، قد اختلطت أنسابهم مع أنساب المصريين، وطغت عليهم جينات المهانة والذل والجهل، جينات شعب جاءهم الفاطميون – الشيعة – وحكموه فصفقوا لهم، ثم جاءهم السنة مع صلاح الدين الأيوبي، فصفقوا لهم، ثم حكمهم المماليك فرقصوا لهم، ثم حكمهم العسكر فلحسوا بيادتهم.

ذرية ظالمة بعضها من بعض، آمنوا لفرعون عندما قال: (أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي)، وهتفوا لعبد الناصر عندما قام بالشيء ونقيضه في آن واحد، حرقوا مقرات الشرطة في ثورة مجيدة، ثم انقلبوا بعدها بشهور ليحملوا الشرطة على أكتافهم أو ليرضوا بذلك على الأقل!

ولعلّي أحيلكم الآن إلى إجابة السؤال، المصريون جناة أم مجنيّ عليهم؟

المصريون جناة ظالمون، جنوا على أنفسهم، ولا أُبرِّئ الحكام البغاة من مصائبهم، ولكنَّ المصريين يتحملون الإثم الأكبر على مر الزمان، إثم السكوت والظلم.

والأجيال الجديدة قد بدأت في النفور من هذه الجينات  المقيتة، غير مبالين بعادات أو تقاليد، ولكنها تطغى عليهم مجددًا مع كل ظهور جديد (للكرباج)، ولا أراها تنتهي إلا عندما يعترفون  بوجود هذه الجينات فيهم أولاً، ويبدؤون في التخلص منها، ثم استبدال جينات العزة والكرامة بها.

أتحدث لكل منظري التغير والأشراف القلائل الذين تحملوا ظلم هذا الشعب بداية من مؤمن آل فرعون وانتهاءً بآلاف الأحرار القابعين ظلمًا وزورًا وراء سجون الطاغوت.

إلى هؤلاء الأشراف الطامحين إلى تغير الوعي لهذه الأمة، إلى أحفاد الشيخ عمر مكرم وأحمد عرابي وسيد قطب، أنتم يا من قد تشفعوا يومًا للمصريين أمام التاريخ، إليكم رسالتي: معركتنا أولاً مع عقل هذا الشعب ونفسه، معركتنا هي تغير وعيه، معركتنا هي استئصال هذه الجينات عن بكرة أبيها، معركة نرجو منها أن يحقق هذا الشعب شيئًا للأمة يحفظ به ماء وجهه أمام الله وأمام التاريخ، معركة لإخراج هؤلاء الناس من غياهب الجاهلية المنكبين فيها على وجوههم.

وليس كل وعي هو ثقافة أو كتاب.

فقد قالوا قديمًا: السيفُ أصدق إنباءً من الكتبِ *** في حدِّه الحدُّ بين الجد واللعبِ

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد