أن تكون لاجئًا فأنت في أرض تشعر أنها تتفضل عليك بالسماح لك بالبقاء بها، لا يهتمون بك، لا يعنيهم كيف تعيش حياتك أو كيف تمر أيامك، تختفي إنسانيتهم، يكفيهم أنهم تكرموا عليك وأبقوك في أرضهم ولم يرجعوك لتموت في وطنك، بهذا يخدرون ضمائرهم.

ولكن أن تشعر بأنك غريب ولاجئ في وطنك، فذلك العلقم الذي لا يزول طعمه من حلقك، أن تشعر أن الوطن وحُكامه يرونك لاجئًا وأنت في وطنك، غريبًا وأنت في أرضك، دخيلًا وأنت في بيتك، فذلك الجرح الذي لا يبرأ.

1- سُكرهم

سيارة نقل كبيرة محملة بالمواد الغذائية تتوقف محركاتها، يتنبه إليها المحيطون بها، يتجمع حولها القاصي والداني، عُراك، ازدحام الكل يسعى للحصول على ما يمكن الزود به، يقف الناس ساعات في ذل وانكسار للحصول على كيس أو اثنين من السكر أو الأرز أو العدس، إن كنت قد تخيلت أن ذلك المشهد في أحد مخيمات اللاجئين في تركيا أو الاردن، أو ظننت أنه في بؤرة من بؤر الصراع في سوريا أو العراق أو إحدى دول المجاعات في مجاهل أفريقيا، فقد جانبك الصواب فذلك المشهد لا يختلف كثيرًا في تلك المناطق.

ولكن مشهدي ذلك مختلف، فالسيارة المحملة بالمواد الغذائية لا تحمل الشعار الأزرق للأمم المتحدة أو أي شعار آخر لمنظمات مساعدة اللاجئين، بل هي تحمل شعار الجيش والشرطة المصريين.

ذلك الحال القائم في أم الدنيا كما اعتاد أبناؤها وحكامها تسميتها، ولكن يبدو أن أم الدنيا قد نضَبَ لبنها وجف ضرعها ولم تعد قادرة على إطعام أبنائها.

ففي قاهرة المعز وحاضرة الأزهر لا يجد المصريون ملعقة سكر، فمصر التربة الغبراء والشجرة الخضراء، صاحبة النيل ميمون الغدوات مبارك الروحات كما وصفها عمرو لعمر، لا تجد ما يسُد رمق قاطنيها.

انتظرنا أن تخرج الحكومة لتخبرنا سبب تلك الأزمة ويعلنوا عن الحلول، ولكن لسان حال الحكومة كان إن لم تجدوا خبزًا فلتأكلوا كعكًا.

فخرج رئيس الوزراء ليتحدث عن توقعه لأزمات في مواد تموينية أخرى، وخرج وزير أسبق يطلب منا أن نستبدل العسل بالسكر، فالرجل الذي لا يعيش معنا كما يبدو يطلب منا أن نستبدل بالسكر ما هو أربعة أمثال ثمنه.

وحين تمخض الجبل وتحدث وزير التموين المصري، أنجب الجبل فأرًا فالرجل خرج ليطالبنا بالتقشف ويحدثنا عن كيس السكر الذي يكفي في منزله شهرًا كاملًا.

2- مؤتمر شبابهم

جاء مؤتمر الشباب ليُكمل الصورة، فالرجل المقيم في الاتحادية لم يتوقف يومًا منذ توليه سُدة الحكم عن قمع الشباب وزجهم في السجون، فالرجل ونظامه قد حققوا أرقامًا قياسية في عدد السجون والمعتقلات المبنية في عهده، وأرقامًا غير مسبوقة في عدد القتلى والمعتقلين من الشباب. وبعد كل هذا يأتي الرجل وكأنه قادم من عالم آخر ليحتفل معنا بعام على مبادرته التي أطلقها من أجل الشباب.

وليت الأمر توقف عند هذا الحد؛ فقد تحدث الرجل في ذلك المؤتمر عن الأمر الذي لا يتوقف عن الحديث عنه دائمًا وأبدًا وهو التقشف والتحمل من أجل مصر.

تحدث عزيز مصر وسيدها عن ثلاجته التي لم يكن بها غير الماء، وتحدث عن وجوب تحملنا، ولكن ذلك الحديث وبغض النظر عن ركاكة اللغة وبلادة المحتوى لم يكن متماشيًا مع المؤتمر الذي تكلف الملايين من أجل لا شيء.

الرجل يُحدثنا عن التقشف وهو من أقام مؤتمرًا وأحضر ثلاثة آلاف شخص ليأكلوا ويشربوا ويقيموا في أفخم فنادق شرم الشيخ وكل ذلك على حساب الدولة، نفس الدولة التي يطلب منا أن نتحمل من أجلها.

تحدث الرجل عن نهضة سوف نراها في عامين ونحن في عامي حكمه المنصرمين رأينا سبعًا عجافًا لم يسبقها سبعٌ سمانٌ.

3- اقتصادهم

يمر المؤتمر ليستيقظ المصريون على خبر تعويم عملتهم، ليفقد الجنيه المصري ما يقرب من خمسين بالمائة من قيمته في ساعات معدودة، ليفقد المصريون نصف مُدخراتهم، ليفقدوا نصف ما جمعوه، ليفقدوا نصف طموحاتهم وآمالهم وليفقدوا نصف مستقبلهم، ففي بلادٍ كبلادنا، بلاد لا نعرف لها مستقبلًا ولا نعرف لنا بها مستقبلًا، يكون حاضرك ومستقبلك هو مقدار ما تملكه.

لم نتفاجأ كثيرًا بذلك القرار؛ فقد كان متوقعًا أن تتجه الحكومة لتعويم الجنيه، خصوصًا أنها أعلنت عن خطتها المسبقة لتعويم الجنيه طبقًا لشروط بنك النقد الدولي المانح للقرض الذي تسعى الحكومة المصرية للحصول عليه.

لكننا توقعنا أن يُناقش الأمر في البرلمان أولًا، توقعنا أن يُطرح للنقاش المجتمعي، وأن يتم تداوله بتوسع في الإعلام، نعم أعلم ويعلم الجميع أن تلك الأمور شكلية وما تقرره الرئاسة سوف يكون، ولكني أتكلم عن الآليات الشكلية التي اعتدنا عليها أيام مبارك، تلك الآليات التي كنا نحاول بها إيهام أنفسنا أننا نملك قدرًا من كرامتنا وقرارنا، ولكن يبدو أن ذلك النظام يبخل علينا حتى بوهم الكرامة.

ثم يخرج علينا إعلام النظام ليحدثنا عن عظمة القرار وتأثيره الإيجابي على الاقتصاد المصري.

لم يكلف الإعلام نفسه صياغة كلام يحترم عقول مشاهديه كما هو المعهود منه، ولكن تلك المرة لا يُحدثنا عن الإرهاب المحتمل أو تآمر القوى الإقليمية والعالمية علينا، بل يُحدثنا عن قوت يومنا ورغيف خبزنا وبنزين مواصلاتنا، هو لم يكترث بنا ولا ينوي الاكتراث بنا، فعلى ما يبدو أن الإعلام والنظام قد كُف بصرُهم عن رؤيتنا وصُمَّت آذانهم عن سماعنا.

لم يكترث أحد كيف سيعيش الشعب في ظل تلك الأوضاع، هم لا يروننا شركاء في ذلك الوطن، بل يتفضلون علينا بالبقاء فيه، فنحن بالنسبة لهم جالية أجنبية تعيش في أرضهم، ولكننا لا نملك حتى سفارة أو مفوضية كاللاجئين لتتحدث بأسمائنا وتحاول تحسين أوضاعنا.

يبدو أن الحكومة قد اكتفت بمنحنا حقنا في الحياة، وإن كانت على ما يبدو تفكر في انتزاعه منا إذا أُتيحت لها الفرصة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

اللاجئون
عرض التعليقات
تحميل المزيد