شهد القرن العشرين ظهور الكثير من العلماء المصريين في مجالات مختلفة كالفيزياء والكيمياء والجيولوجيا والفلك، ممن أثروا وساهموا في النهضة الحديثة التي يعيشها العالم الآن.

ولكن منذ أواخر القرن العشرين لم نشهد هذا التقدم الملحوظ ثانية وحتى الآن، تُري ما أسباب ذلك؟ دعونا نبحر في أهم العوامل التي ساعدت على ظهور هذا الكم من العلماء في تلك الفترة لنعرف أين الخلل!

 

1 – التربية السليمة

علي عكس ما نشهده من تدهور كبير في الأسر المصرية اليوم، كان هناك نوع من التربية الأصيلة المتبقية منذ العصر الإسلامي المزدهر، نشأة تشع أصالة وانتماء وحبا للمعرفة والاضطلاع، فعالمة كسميرة موسى كان أبوها رجلا من أغنياء قرية سمبو، ربي ابنته تربية دينية وحفظت القرآن الكريم منذ نعومة أظافرها، وكانت محبة للقراءة والمعرفة، وكذلك العالم زغلول النجار كان جده خطيب القرية ووالده من حفظة القرآن الكريم، والعالم علي مشرفة رباه والداه على احترام الوقت فخلت طفولته من كل شيء مبهج وكان يتسم بالوقار، تلك نشأة ترسم النجاح في الحياة، نشأة خالية من الأفلام القبيحة، العنيفة، الفاشلة، والإعلانات المدمرة، والألفاظ البذيئة، والعادات السيئة، نشأة اتسم روادها بالأخلاق والتدين، فتلك هي البذرة الأولي التي إن زُرعت بطريقة صحيحة نما النبات قويا مستقيما متحديا الظروف، وإن أُهملت وزرعت بطريقة خاطئة اعوج النبات، وصار ركيكا في وجه الرياح تدفعه أينما شاءت.

 

2 – التفوق الدراسي

بشكل طبيعي ستعمل هذه النشأة على إخراج جيل واع يتسم بالعمل الجاد والالتزام، وهذا يجلب التفوق، فسميرة موسى كانت متفوقة في دراستها وهو ما فتح لها أبوابا كثيرة وقضي على صعوبات كثيرة أمامها، وكذلك علي مشرفة بعد وفاة والده, أصبح هو عائل الأسرة وبسبب تفوقه الدراسي تلقى تقريبا كامل تعليمه بالمجان، وعلماء آخرون لولا التفوق الدراسي لما تمكنوا من السفر للخارج وإكمال تعليمهم والتوسع وإشباع شغفهم العلمي أكثر والوصول لما وصلوا إليه، كل ذلك ناتج وبجانب قدراتهم بفضل التربية السليمة والرعاية والاهتمام من الأهل، والذي افتقدناه اليوم.

 

3 – اكتشاف الموهبة ودعمها

هذا الدور يشترك فيه الكثير من أفراد المجتمع من أول الأهل إلى الصديق والجار وحتى المار في الشارع! وينعكس هذا الدور على حال الأمة، ويمكنك أن تفهم بالنظر والتفكر في حالنا الآن وتعرف أن هذا السبب كفيل بطمر أي حضارة، سميرة موسى اتسمت بذاكرة فوتوغرافية ممتازة وكانت قادرة على حفظ ما تقرؤه وما تسمعه، ووالدها كان يُجلسها في أغلب النقاشات التي تتم في بيتهم، والذي كان مجتمع للكثير من وُجهاء القرية لمناقشة قضايا مختلفة، وكانت تقرأ الصحف بمهارة، وقتها كان التعليم غير مسموح للبنات فناضل أبوها من أجل ذلك وانتقل للقاهرة لكي تنال تعليما أفضل، وقتها كان هناك نساء يطالبون بحق المرأة في التعليم كهدى شعراوي ونبوية موسى، تعلمت سميرة وأثبتت ذكاءها وتفوقها مما جعل مديرة مدرستها نبوية موسى توفر لها كل السبل الممكنة لدعمها، وعندما أنهت الثانوية بتفوق دخلت كلية العلوم جامعة القاهرة، وهناك كان الدعم الأكبر لها من الدكتور علي مصطفى مشرفة.

 

4 – القدوة والمثل الأعلى

تلقائيا ستجد من إنسان نشأ نشأة سليمة وحفظ كتاب الله وتلقى الدعم ممن حوله وأخذ يسير في طريق يناسب مهاراته وقدراته، أن يتخذ قدوة ومثلا أعلى ناجحا وقيما يحتذي بها، فسميرة موسى اتخذت الدكتور علي مشرفة مثلا أعلى لها في كافة جوانب حياتها، وهو ما انعكس بدوره أيضا منه فقد كان بجانبها خطوة بخطوة، وقدم لها كل ما يقدر عليه من مساعدة وكان له الفضل في تعيينها معيدة في الجامعة، كما تأثرت سميرة موسى بالحضارة الإسلامية، وبالخوارزمي، تأثرت بكل ما يخدم ويطلق قدراتها لخدمة مجتمعها، وبالمقارنة بجيلنا الذي تأثر بليوناردو دي كابريو وعبده موتة، ولم يجد القدوة في معلم كل همه أن يؤدي وظيفته ويقبض راتبه فقط. فيلزمنا الكثير من أجل إعادة الأمور إلى ما كانت عليه. وعلينا البدء الآن.

 

5 – الشغف وليس المال والوظيفة

أيضا حينما أُربى على أن لي رسالة في الحياة وقيمة يجب أن أحققها، فيجب أن تكون غاياتي سامية، فعلماء هذه الفترة كانوا متفوقين دراسيا، وكان بمقدورهم دخول أي كلية يرغبون بها من كليات الوظائف المرموقة والأموال والمستقبل، ولكنهم فضلوا شغفهم وعرفوا أن به مستقبلهم ووظيفتهم وأموالهم وهي حقيقة غائبة عنا، فمهما  كان شغفك طالما  كان لا يغضب الله فسوف تعرف كيف تستغله وتسخره لخدمتك، فسميرة موسى رفضت الطب والهندسة ودخلت العلوم وكذلك علي مشرفة وغيرهم الكثيرون، وهنا دور الأهل قد يكون أهم من دور الطالب نفسه وكلنا يفهم، فعلى الأهل النصيحة والتوجيه وليس قيادة الدفة طالما أن المركب تسير على ما يرام.

 

6 – البيئة الخصبة

بالنسبة لأبناء الوطن إذا كان وطنهم يدعمهم ويشد من أزرهم فسوف ينهضون به، مثل النبات الذي يحتاج البيئة الخصبة لينتج محصولا أكثر، وإذا لم يتحقق ذلك ستجدهم يهجرونه، وكلنا نرى الآن كم العلماء المصريين في الخارج، والإحصائيات ذات الأرقام المهولة، وبلدنا وإن كانت عمارا في الظاهر فهي خراب في باطنها.

إلى حد ما كانت البيئة خصبة لعلماء هذا القرن من الزمان، فالمتفوق كان يجد له مكانا ويجد دعما ليس كبيرا ولكن على الأقل كان موجودا، أو بمعني آخر لم يكن الفساد والاضطهاد قد بلغ مداه بعد، وأينما وجد الاضطهاد وأصبحت البيئة غير خصبة تجد السفر للخارج والبحث عن بيئة أخرى تحتويهم، فمعظم العلماء في القرن العشرين انتقل بهم أهلهم من القرى إلى المدن، مثلما انتقلت سميرة موسى إلى القاهرة وعلي مشرفة للإسكندرية ومصطفي السيد للقاهرة، إذ كانت القاهرة والإسكندرية هي منابر العلم آنذاك بالنسبة لهم، مثل مدن العالم الغربي الآن بالنسبة لنا ولكن الانتقال والذهاب أصبح أصعب!

 

7 –  التشجيع والجوائز

نأتي إلى ما يجعل البيئة أكثر خصوبة للعلم والعلماء وهو دليل على جاهزية البيئة واحتضانها لعلمائها! نأتي إلى المكافأة والجائزة، لم تكن غاية لعلماء تلك الحقبة، ولكنها حافز لكي تبدع الأجيال من بعدهم.

ولأننا أصبحنا نشجع ونعطي جوائز للأفلام والمغنيين والراقصات فلم يعد التحفيز في عالم العلم موجود، بل الشحططة والحوائط السوداء، حتى الإعلام قد أزال العلم والعلماء من قائمته فلم تعد سلعة رائجة، وقديما أيضا كان التشجيع والجوائز تقدم غالبيتها مثل اليوم من الغرب إلا ما رحم ربي بمنحة أو وسام، ولكنها كانت كافية لإيصال العلماء إلى بر الآمان في الخارج، أما الآن فلم يعد التشجيع كافيا لكي يري العلماء النور في مصر أولا.

 

8 –  لا قانون أمام الفائدة والاستثناء المفيد يعتبر قانون

الآن تجد اللوائح والقوانين تتصدر المشهد، وتقف شامخة أمام كل إنسان يشق طريقه بضمير، ولكن مؤخرا ظهرت العصا السحرية التي تتغلب على هذا الوحش الشامخ وهي الرشوة. وإذا رأيت الفائدة والمنفعة لا تتغلب على هذا الوحش المسمى باللوائح فاعلم أن البلد في تخلف، ففي القرن العشرين لم يكن من حق المرأة أن تتعلم وتعلمت، لم يكن من حقها المناصب العليا وتقلدتها، ونجحت المرأة وتركت بصمتها. علي مشرفة وصل بنبوغه إلى أن عُين أستاذا في جامعة القاهرة رغم أنه كان دون السن وخالف اللوائح، في حين اليوم يتم فصل علماء أكفاء من جامعات لمجرد التعبير عن الرأي مثل الدكتور عصام حجي، وإذا استمر ذلك الحال فلن يري العلماء النور إلا في الخارج.

 

9 – الكوارث والمصائب والانتماء

كان لها دور في خلق جيل من العلماء الأفذاذ، فالحرب العالمية الثانية وإطلاق القنبلة النووية على هيروشيما وناجازاكي كان له الأثر الكبير على اتجاه سميرة موسى إلى التخصص في مجال الذرة، ومحاولة تسهيل عملية صناعة السلاح النووي من أجل التصدي للتسلح النووي لإسرائيل والدول الطاغية، طامحة في أن يعم السلام كافة أرجاء العالم، وأيضا وفاة والدتها بالسرطان جعلها تتمني أن يصبح علاج السرطان مثل الأسبرين، والدكتور مصطفى السيد الذي اتجه إلى أبحاثه في مجال السرطان بعد إصابة زوجته بمرض سرطان الثدي ووفاتها، وكان لذلك الأثر الكبير في التوصل إلى علاج السرطان بالذهب وسوف ينجح بإذن الله.

نعرف جيدا الآن أن كل ما ذكرناه من عوامل النجاح تلك أصبحت نادرا ما توجد في مجتمعنا وعلينا إعادتها والاستفادة منها إذا أردنا تقدما وحضارة!

كانت هذه بعض العوامل التي ساعدت على زيادة حركة العلماء منذ أوائل القرن العشرين، وكان لهم الفضل الأكبر لما نحن فيه الآن، وأتمنى من نفسي ومن جميع من يقرأ هذا الكلام إن كان طالبا أن يجتهد في دراسته، وإن كان أبا أن يربي ابنه تربيه سليمة، وإن كان معلما أن يكون قدوة صالحة وأن يدعم أبناءه، وأتمنى أن يوقظ الله مسئولينا وأن يعملوا من أجل هدف واحد هو رفعة هذا البلد والعالم العربي والإسلامي، وإذا كنت تري أن هناك عوامل أخري فلا تحرمنا من الاستفادة من رأيك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العلماء, مصر

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد