مع بزوغ فجر يوم جديد يهمّ المصري بحيوية قاصدًا حقله طلبًا للرزق والحياة، يتهدج فوق حماره محفزًا إياه على السير بنخز خفيف بعصاه حينًا، وبلسانه في الحين الآخر قائلًا «عا»، يضرب الحمار الطرق الطينية بحوافره وسط الزراعات، بينما تُداعب نسمات الصباح البكر أنفاس الفلاح الدافئة.

يتكرر هذا المشهد يوميًا منذ آلاف السنين، ازدهرت خلالها حضارات واضمحلت أخرى، اعتلى عرش مصر الفرس والروم والعرب، والمصري يحافظ على نظام حياته ومسلك يومه، لا يعنيه مَن يحكم إلا إذا مسّ زبانية الحكومات أرضه ومحاصيله، ولعل أبلغ ما يعبر عن هذا الحال، المثل الريفي القائل «أرضك عِرضك»، فتندلع ثورة عارمة في أواخر عهد الأسرة السادسة الفرعونية، تمرد فيها الفلاحون على استبداد الحكام وطغيانهم، فكانت من أوائل الثورات التي سطرها التاريخ البشري، ويبرهن المصري عبر تاريخه على درجات التمدن التي بلغها، فتنتظم في وادي النيل حضارة شامخة شكلت وعي الإنسانية بأكملها ووجدانها، ورغم تقلب الدهر ومرور الغزاة والمحتلين بما يحملونه من ثقافات ولغات متباينة، إلا أن الحضارة المصرية القديمة تركت أبلغ الأثر فيما توارثته الأمة المصرية من هوية؛ تجسدت في عادات وتقاليد يتبعها المصري منذ آلاف السنين، ولغة ظلت عالقة بلسانه حتى يومنا هذا.

اللغة المصرية القديمة ومنبتها

أطلق المصري القديم على لغته «فم مصر»، «لسان مصر»، «كلام مصر» كما عُرفت أيضًا «بكلام الإله»، «الكلام المقدس»، ويخطئ كثيرون حين يطلقون على اللغة المصرية القديمة «اللغة الهيروغليفية» فالهيروغليفية هي أول خط كُتبت به هذه اللغة، ويرجع بدء التدوين بهذا الخط إلى القرن الثالث والثلاثين قبل الميلاد، أي قبل عصر الأسرة الأولى الفرعونية بنحو قرنين من الزمان، وظهرت اللغة نتيجة تطور الحياة في وادي النيل، وتجلى الحاجة إلى تدوين سير الحياة اليومية بما تحمله من نشاط وتقدم متزايد، وكان هذا هو الدافع أيضًا إلى ابتكار خطوط جديدة إضافة إلى الخط الهيروغليفي الذي يعني باليونانية «الكتابة المقدسة»؛ لأنها كانت تُكتب على جدران المعابد والمقابر، بينما ظهر في وقت لاحق «الخط الهيراطيقي» ويعني باليونانية «الكهنوتي» وذلك لأن الكهنة كانوا أكثر الفئات استخدامًا لهذا الخط، والخط الهيراطيقي تبسيط للخط الهيروغليفي؛ لتسهيل عملية التدوين خصوصًا على أوراق البردي، وظهر بعد ذلك «الخط الديموطيقي» والذي اشتق من كلمة «ديموتيكوس» والتي تعني «شعبي» باليونانية.

وكان هذا هو خط المعاملات اليومية وظهر في القرن الثامن قبل الميلاد، وجاء هذا نتيجة كثرة المعاملات والأنشطة، كما جاء ظهور خط اللغة القبطية كآخر مرحلة من مراحل تطور اللغة المصرية القديمة، تزامنًا مع الاحتلال اليوناني لمصر، وكلمة قبطي مشتقة من الكلمة اليونانية «إيجوبتي» والتي تعني «مصري»، واللغة القبطية كُتبت بحروف يونانية، واستخدم فيها سبع علامات مأخوذة من الديموطيقية ليس لها ما يقابلها من الناحية الصوتية في اليونانية، والحفاظ على اللغة القبطية لغة رسمية للكنيسة المصرية، بالإضافة إلى استخدام حروف الحركة في اللغة القبطية لأول مرة هو الذي قاد إلى فك طلاسم اللغة المصرية القديمة.

اللغة المصرية القديمة وأثرها في حياتنا اليومية

لعل ما يثير الشغف بحضارة وادي النيل – إلى جانب الآثار العظيمة-  هو بقاء العديد من التقاليد القديمة حاضرة في حياتنا حتى اليوم كالاحتفال بعيد «شم النسيم» والاحتفاء بذكرى «الأربعين» وغيرها من العادات، لكن الأكثر شغفًا هو أن يعلق باللسان المصري كلمات نطقها اللسان لأول مرة منذ آلاف السنين؛ فلفظة «عا» الذي يحفز بها الفلاح حماره على السير هي نفسها «حا» الذي تحورت بإبدال حرف العين بحرف الحاء، والمرأة الريفية التي تقول في يومنا هذا «أبطط» العجين، هي الكلمة المصرية القديمة التي تعني بالعربية «أسحق» وكلمة «همهم» التي يرددها العامة بمعنى «كُل» تحمل المعنى نفسه في المصرية القديمة، وكلمة «نُنة» التي تعني بالعربية «طفل صغير» عند المصريين القدماء، وعندما يقول أحدهم اليوم «ما تقوليش كاني ولا ماني» فذات الجملة كان يقولها الفقراء للكاهن عندما كانوا يقفون بمدخل المعبد طلبًا للسمن والعسل «كاني وماني»، وكذلك كلمة «ست» التي درجت في العامية المصرية بمعنى امرأة هي كلمة فرعونية الأصل، وكلمة «عو» التي يرددها العامة ليخيفوا بها الأطفال هي من أصل مصري قديم وتعني بالعربية «عفريت».

اللغة المصرية القديمة في التراث الشعبي

لا يخلو التراث الشعبي -سواء أكان أغاني وأهازيج أم أمثلة شعبية وتعبيرات دارجة- من كلمات رددها المصري القديم منذ آلاف السنين، فدعونا نستعرض بعضًا من تلك الأغاني والأمثال والتعبيرات التي يحفل بها التراث الشعبي المصري.

حلّو يا حلّو.. رمضان كريم يا حلّو

هذه الأغنية الشعبية يرددها الأطفال ابتهاجًا بقدوم شهر رمضان الكريم كل عام، وهذه الأغنية لها أصل في اللغة المصرية القديمة، فكلمة «حلّو» معناها عند المصريين القدماء «شيخ أو رجل متقدم في السن» وكأن الأطفال يقولون بالعربية «عم يا عم.. رمضان كريم يا عم».

فلان بيلعب بالبيضة والحّجَر

اعتاد العامة ترديد هذا التعبير إشارة إلى الشخص «الفهلوي» الذي يستطيع أن يلعب بالبيضة والحجر دون أن يصدموا، والحجر هنا كلمة لها أصل في اللغة المصرية القديمة، وكانت تنطق «حجل» ومع تطور اللغة تحول حرف اللام الأخير إلى حاء.

يا سيدي حِن علينا

جملة يقولها الحبيب لحبيبه من فرط الهيام واللوعة، وكلمة «حِن» هنا من اللغة المصرية القديمة حيث كان يقول المصري القديم «هن» بمعنى «يميل إلى أو يصغى إلى»، وقد تحورت مع تطور اللغة إلى «حن».

بكرة نقعد على الحيطة ونسمع الزيطة

يقال هذا المثل الشعبي دائمًا في حالة انتظار خبر يحدث دويًا، وفي المثل هنا كلمتان من اللغة المصرية القديمة أولهما حيط؛ حيث كانت تنطق «حوت» بمعنى «معبد أو قلعة أو جدار عالٍ» وقرأت فيما بعد «حيت» وتحورت في العامية إلى «حيط»، وثانيهما كلمة «زيط» بمعنى «يصرخ»، أي معناها في العربية «بكرة نقعد على الجدار ونسمع الصراخ».

في الوش مراية وفي القفا سلاية

يقال هذا المثل الشعبي برهانًا على النفاق، فكلمة «سلاية» معناها في المصرية القديمة «شوكة»، أي معنى المثل بالعربية «في الوش مراية وفي القفا شوكة».

الشمش حامية النهاردة

ينطق بعض أهل الريف كلمة شمس «شمش» والحقيقة وراء هذا اللفظ هو أصل كلمة شمس عند قدماء المصريين، التي كانت تنطق شمش.

فلان مكحكح على الآخر

تعني كلمة «كحكح» في اللغة المصرية القديمة «وصل لمرحلة الشيب»، واشتقت منها كلمة «مكحكح» بمعنى «طاعن في السن».

قاعدين يخمسوا في السيجارة

درج هذا التعبير في العامية المصرية، والبعض يتخيله لكون خمس أشخاص اجتمعوا على شرب سيجارة، ولكن الحقيقة وراء لفظة «يخمس» تكمن وراء آلاف السنين؛ حيث تعني كلمة «خنمس» بمعنى صديق في اللغة المصرية القديمة، وقد سقطت النون وأصبحت «خمس»، وكأننا نقول اليوم بالعربية «تعالى نتصادق سويا».

مشطنا المنطقة يا فندم           

لكلمة يمشط أصل في اللغة القبطية؛ فكلمة «ماشت» تعني «يجول- يجوب- يفتش- يفحص»، فكان معنى «مشطنا المنطقة» جبناها بحثًا وفحصناها.

كل واحد بينعي همه

معنى المثل معروف للكافة، ولكن المدهش أن كلمة «ينعي» مأخوذة من المصرية القديمة فكلمة «نع» بمعنى (خبر)، وقد استعملت بعد ذلك في نعي الموت، أي الإتيان بخبر الوفاة.

هكذا حافظ المصري على كثير من الكلمات منذ عهد أجداده حاضرة في قاموس مصطلحاته اليومية؛ برهانًا على هوية ضاربة في جذور التاريخ، تشهد بريادة هذه الأمة في عصور خلت، آملين أن يكون لهذه الريادة امتداد في عصرنا الحالي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد