حينما يبلغ الحمق ذروته، قل: أنا غريب عن دار الحمقى، وتبتل بقول: أنا من قرية عزلاء منسية ليس لشوارعها أسماء، ولكني لست أحمقًا مثلكم، حتى لا أعرف إن كانت هذه القرية هي قريتى أم لا، لأن قريتي لها طيب أشتاقه كشوق المحب إلى حبيبه، وأنا محب صادق الحب إلى المحبوب، ولا تعتقد إذا وهبتني محبوبًا جديدًا سوف أحبه أو حتى أَقبله؛ لأن محبوبي لم يمت، ولم يرحل عني، ولكنه يريدني أن أكون معه، وما من رجل غريب، إلا أن أتى إلينا ورأى حبيبتي فقرر أن يأخذها مني بالقوة، ويعطيني أخرى كي أسد بها رمقي، فهل يجوز هذا؟

هل يعتقد الحمقى أن الأوطان تُباع وتُشترى في الأسواق كأنهم يشترون جارية يمتطونها ليلًا وتخدمهم نهارًا، هل يظن الحمقى أن الأرض توهب هدية في أعياد الميلاد، هل الأرض سهلة كسهولة الضحك على عقولهم البالية التي ليس فيها سوى كيفية الاختلاس في الخفاء، وادعاء البؤس والفقر في العلن، أرجوكم لقد هرمنا مما تفعلون، ترسمون خرائط بلهاء ليس لها معنى، وتأخذون من دمائنا ودموعنا لونين أساسيين في تلون الحدود الجديدة، ولا تراعون قصة حب قديمة بين الأرض وصاحبها، ولكن ما تراعونه هو كيف نريح الرجل الغريب الذي أتى بدون وجه حق وأخذ حبيبتي.

هل يعتقد الجانب المصري أنه حينما يتنازل عن جزء صغير في شمال شرق سيناء على نحو الامتداد الفلسطيني، ويأخذ في مقابله جزء من صحراء النقب هو بذلك قد حل المشكلة العويصة بين الدولتين؟

ولكن عذرًا، هكذا لن يكون هناك دولة أصلًا تدعى فلسطين، سوف نجد إسرائيل من جنوب لبنان حتى شمال سيناء المصرية والدولة الفلسطينية تقبع كالغريبة في بيت مليء بالرجال، هل ترضى لحبيبتك أو أختك أن ترحل من منزلك وتذهب لتقيم على استحياء مع مجموعة من الرجال الغرباء؟

حمقى يخططون للعالم، ولا أرتضي بمصطلح غير هذا، لأن الأوطان لا يملكها قادة، بل يملكها شعوب، والشعوب لا تفرط، ولا تبيع، ولا حتى تقبل بالنقاش في أن تستبدل وطنا بوطن، فكيف لي أن أترك زيتونتي وأهاجر، فلا يوجد من يسقيها أو يرعاها، كيف أتركها وأنا واثق أنه لا يوجد من سيجمع الزيتون ويعصره، كيف تريدني أن أرحل؟ هل لأشتري الزيتون بالكيلو وأشتري زيت الزيتون في زجاجة؟ سحقًا للحمقى فهذا أمر غير معقول.

هل تريد أن توطن شعبًا على أرض شعب آخر كي ترضي عصابة سارقة محتلة لا مأوى لها أتت بالقوة والخداع، هو أمر غير مقبول للعاقلين، ولكنه يدور في عقول الحمقى كأنه الحل الوحيد الرشيد الذين اهتدوا إليه بعد صراع طويل، هلا أخذتم رأي الشعوب فيما تفكرون كي يبصقون عليكم من كل حدب وصوب، ياسادة أرجوكم اعرضوا الأمر على الشعوب فهي صاحبة الأرض.

كما تقول المصادر إن هذا الحل الرشيد قد أتى محناة أحرفه من السلطة المصرية كأنها واسطة الخير في جلسة عرب تحاول أن تضغط على الجانب الضعيف كي يمر الأمر مرور الكرام، وبما أننا العرب في موقف التائه الاختياري الذي يعرف الطريق ويضل عنه بإرادته، فبالتالي نعطي من هنا، ونأخذ من هنالك، ويرتاح الذي هناك، ولا يهم من سيأتي إلى هنا فهو تائه من الأساس، فهل يفرق مع التائه بأي أرض يتوه؟

ولكن القيادة المصرية تعطيني الحق في اقتباس عبارة من على لسان الفنان محمد هنيدي في أحد أفلامه عندما قال لأحد تابعيه في الفيلم «أراك توزع من مال أمك».

ليس من حق أحد أن يبيع ويشتري، وليس من حق أحد أن يتحدث باسم الأوطان أو يختزل الوطن في شخص يتحدث عن التضحية والكفاح وحماية الأطفال والنساء وينسى الأرض ويبيع الوطن كأن التضحية لا تجوز في سبيل الأرض والحماية تنام في حضرة المساس بالوطن.

إذا نسيت ما حدث في تيران وصنافير أعتقد أنك سوف تتذكره في مشروع التوطين، خطوات في الاتجاه الخاطئ قد تؤدي إلى الهلاك، وقد تبعث ما لا يحمد عقباه للسلطة، وتُحيي ما يريده الشعب، الأمور تُدار كأننا في ظل سلطة تُرسخ أقدامها للقضاء على آمال الشعوب في النهوض والتحرر والحفاظ على البقية الباقية من الكرامة التى تترامى على صفحات الوجوه التى كساها الخجل من التفريط في الأرض، ومن يفرط في الأرض يجب أن يُحاسب على أنه خائن للوطن و الشعب و خائن لنفسيه، لأن الأوطان لا تُباع يا سادة.

لا أعلم كيف سيذكرنا التاريخ في هذه الفترة البائسة، فلن نجد سبيلًا واحدة نستطيع أن ندافع به عن أنفسنا حينما نُسئل: هل كنتم حمقى لهذه الدرجة، تُباع أرضكم كل بضعة شهور، وأنتم نيام لا تفعلون شيئًا.

برأوا أنفسكم مما يجري حولكم، قولوا: لا، في وجه البائعين للوطن، وفي وجه من يحللون بيع الوطن، يا سادة الأوطان لا تُهدى ولا تُباع ولا تُشترى.

لذا لزم التنويه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد