كتب الدكتور محمد طَقُوش في كتابه تاريخ المسلمين في الأندلس: «فُتحت أبواب غرناطة يوم الإثنين الثاني من يناير 1492م فدخلها حاكمها الجديد الكونت تنديلا، وسار خلفه موكب الملكة إيزابيلا والملك فرديناند الخامس، ورفعوا فوق برج الحمراء صليبًا فضيًا كبيرًا وبجانبه عَلمي قشتالة والقديس شنت ياقب. وغادر في اليوم نفسه أبو عبدالله محمد بن علي-ابن الحرة- قصره مع أهله وتوجه إلى أندرش، في جبل البشرات المطل على غرناطة، وقد حُددت هذه القرية مكانًا لإقامته تحت إشراف القشتاليين، وهو يذرف دموعه حسرة وألمًا على الملْك الضائع.فنظرت إليه والدته عائشة الحرة ونهرته وقالت له: «ابك مثل النساء مُلكًا مُضاعًا، لم تحافظ عليه مثل الرجال». وتَعرف الرواية الإسبانية المكان الذي كان مسرحًا لذلك المنظر المحزن باسم (زفرة العربي الأخيرة).

إننا نعيش اليوم عصر الزفرات العربية، والبكاء على هذا السقوط الرهيب لعواصم الحضارات العربية! والتي تقف الشعوب المثخنة بالجروح باكية على أطلالها؛ تبكي الحضارة والتاريخ والعلم والتمدن العربي والإسلامي في العراق؛ الغارق اليوم في دماء الفتنة والفساد بعد سنوات الاحتلال الأمريكي العجاف. كما تذرف الدموع على الحضارة والعلوم والعمران في سوريا؛ التي دمرت مدنها البراميل المتفجرة الملقاة فوق رؤوس أهلها من طيران النظام السوري، ومن يقف معه في طابور التدمير، من روسيا وإيران إلى مليشيا حزب الله. والعَبرات على فلسطين لا تزال تسيل منذ أكثر من نصف قرن، من وقت سقوطها في يد الصهيونية العالمية، وإقامة دولة إسرائيل بتآمر دولي على أنقاضها.

وكل يوم يصحو المصريون ويفيقون على ضياع جزء من وطنهم، أو خوفًا على مستقبلهم ومقدراتهم. بالأمس فرَّط النظام في حِصة مصر في مياه النيل، وأغلق ملف سد النهضة الإثيوبي الخطير على حاضرهم ومستقبلهم، وترك إثيوبيا تسير قُدمًا في بناء السد دون أن يُحرك ساكنًا لحماية المصريين وأراضيهم من العطش. ثم كان التفريط في ثروة الغاز الطبيعي المكتشف في حدود مصر المائية في البحر المتوسط، والذي قدره الخبراء بــــ(300مليار دولار). ثم التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير في البحر الأحمر لصالح السعودية، فيما سُمي إعادة ترسيم الحدود بين البلدين. ويقف الإعلام المصري الموالي للنظام الحاكم ليبرر عدم أحقية مصر في الجزيرتين، دون إبراز ما يؤيد رأيه أو يثبت حُجته من وثائق وخرائط، وصار الأمر وكأنه شر قد أزاحه الله عنهم.

إن حكم الفرد، الذي من أهم صفاته أنه لا يُسأل عما يفعل، ويمسك بيده كل السلطات، فهو المشرع والمنفذ والقاضي، والمتصرف بالوطن ومقدراته وكأنه تركة ورثها عن أبيه، فلا قيمة عنده لرأي ولا شوري ولا برلمان ولا شعب، ولسان حاله ما قاله فرعون من قبل:﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾.

يقول علاء الأسواني: «إن الرئيس الأوحد لا يحترم الرأي العام، لأنه يستند إلى الجيش في تدعيم حكمه وإلى أجهزة القمع في التنكيل بمعارضيه، وبما أن السلطة المطلقة تؤدي إلى فساد مطلق، فإن الرئيس الأوحد عادة ما يكون غارقًا مع أولاده وأتباعه في الثورة الحرام المنهوبة من قوت الشعب و«منطقتنا» المنطقة الوحيدة في العالم التي نجد فيها حكامًا يحكمون بلا قانون سوى إرادتهم، وكأنهم في العصور الوسطى، ونجد رؤساء يسعون بوقاحة إلى توريث السلطة لأنجالهم الأعزاء، وصار من الشائع العبث بالدستور حتى يحكم الرؤساء طوال حياتهم المديدة».

إن «الحكم الفردي – من قديم – أهلك الحرث والنسل، وفرض ألوانًا من الجدب العقلي والشلل الأدبي، أذْوَتْ الآمال، وأقنطت الرجال». ولقد «نهضت دولة الخلافة على دعائم الشورى، وكان المبدأ المقرر عند كل خليفة: «إن رأيتم خيرًا فأعينوني، وإن رأيتم شرًا فقوموني». ومن هنا أرست دعائم الحق إلى قيام الساعة. والدول الكبرى الآن ليس فيها مكان للتفرعن والادعاء الأعمى. إن هذه الآفات للأسف تكثر في الدويلات التي تعيش في غيبوبة التخلف والاستسلام لجلاديها» كما يقول الشيخ الغزالي.

والحل في أن تخرج الشعوب من ضيق الحكم الفردي صاحب الرأي الواحد، إلى سعة الشورى والديمقراطية وحكم المؤسسات واحترام اختيار الشعوب. فالشعب هو الملك وصاحب القرار، يوجه حياته العامة بإرادته الحرة، يَسن القوانين ويختار من يحكمه ويُستفتى في القضايا المصيرية، وكل ذلك يتم بواسطة تحكيم صناديق الاقتراع والانتخابات المباشرة. وكل قانون أو مشروع لم يوافق عليه الشعب يُعد باطلًا. ومن ثَّم تفعيل دور البرلمان المنتخب – بحرية وشفافية – في الرقابة والمسائلة، وتقوية شوكة المعارضة لتكون عينًا على النظام وحكومته لتقويم كل زيغ أو ميل عن الحق والعدل والمسار القويم، وتكريس الحرية، وتشجيع الثقافة السياسية ليتمكن الشعب من إنشاء الأحزاب بتوجهاتها المختلفة أو الانخراط فيها بشكل حُر، وإمكانية التداول على السلطة، والمشاركة في صنع القرار، وحرية الرأي والتعبير والنشر والإعلام، وحرية الأفراد في العبادة والدعوة، وحقهم في إنشاء الجمعيات الثقافية والنقابات والتجمعات؛ ليمتلك الشعب القدرة على تقييم أداء الحكومة ومراقبة عملها، فيصبح كورقة ضغط عليها بما تَكَّون لديه من وعي سياسي وشعبي. حتي يصبح حائط صدٍ منيع أمام بيع أرضه أو التفريط في مقدرات الوطن وثرواته. وبذلك ينتقل من مرحلة سكب العَبرات، والبكاء على أطلال الحضارات، إلى مرحلة القدرة على الدفاع، وحفظ البناء، ورعاية النهضة. وكلي أمل وتفاؤل وثقة بأن المستقبل لهذه الأمة. وأن الغد سيحمل لنا من يكفكف دمعها، ويشفي صدرها، ويداوي جراحها، ويرد لها حقها وأرضها وماضيها وتاريخها، ويغرس لها الأمل المشرق والمستقبل المزهر.

والمخاض العسير الذي تمر به الأمة العربية اليوم سيكون نتيجته ولادة قوية لأجيال عربية واعية وقادرة على الدفاع وحماية مجدها ومستقبلها من الضياع والتفريط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد