في عصر يوم الثالث من يوليو (تَـمُّوز) من العام 2013، كنت خارجًا حينها من ميدان رابعة العدوية، متجهًا إلى مدينتي، شاهدت في طريقي احتفالات المعارضين لحكم الرئيس المنتخب «محمد مرسي»، شعرت وقتها بأنني في حلم أو أنني في بلاد غريبة، أكملت طريقي لأصل إلى موقف السيارات، وأخذت سيارة أجرة، دقائق قليلة كانت كافية لأسمع بيان الانقلاب، وأجد نفسي أبكي، وأحاول جاهدًا أن أكفكف دموعي تحسبًا من أن ينكشف أمري للجان البلطجية المنتشرة على الطريق، ضاقت بي الأرض بما رحبت، رأيت حلمًا يتبدد، ومستقبلًا مظلمًا، حتى وصلت إلى شارعنا لأسمع أهازيج الفرح من بعض جيراننا، وهم أكثر من استفادوا من الإخوان المسلمين! ثم عَلت بعض التراشقات اللفظية ما بين مؤيد ومعارض للانقلاب؛ لأجد نفسي غير قادر على العيش مع هؤلاء، وأعود مرة أخرى إلى الميدان، لننتظر ونترقب المستقبل المجهول.

كان الميدان يمثل لنا مدينتنا الفاضلة، التي عشنا فيها، ونتمنى أن نعود إليها مرة أخرى، كنا في الميدان نقوم ببعض المناقشات، ونتحدث هل سيقومون بفض الميدان بالقوة؟ّ استبعد قطاع كبير من الحاضرين هذا السيناريو، وإن حدث فسيكون بيد الشرطة، ولن يشارك فيها الجيش، ولكن هذا التفكير سريعًا ما تلاشى مع مذبحة الحرس الجمهوري الأولى، ثم الثانية، ثم مذبحة المنصة، ثم أكبر مذبحة في تاريخ مصر الحديث وهي مذبحة فض ميدان رابعة العدوية، والنهضة بالقوة.

في هذا اليوم مصر كانت قاب قوسين أو أدنى من الدخول في حرب أهلية حقيقية، أثناء عملية الفض نزل قطاع كبير من الشعب الشوارع في مظاهرات انتشرت في جميع محافظات الجمهورية، حتى إن عددًا كبيرًا من المحافظات خرج من تحت سيطرة النظام بفعل غضب الأهالي مما يحدث، وأكبر تأثير حدث هي تبعات هذه المجزرة من تغيير كبير في أفكار الشباب من الإسلاميين، والمتعاطفين معهم؛ من تغيير في رأيهم عن جيش بلادهم، الذي قام بقتلهم بدم بارد، بعدما كانوا يعتبرونه مؤسسة وطنية حقيقية، تدافع عن الشعب، ومليئة بالمخلصين، وإن سيطر عليهم قادة فسدة.

موقف آخر من يوم الخامس والعشرين من يناير من العام 2014 في ميدان العتبة بالقاهرة، حيث كنا في مظاهرة ضد الانقلاب العسكري، ونحن على بعد أمتار قليلة من أنصار «السيسي» في ميدان التحرير، بدأت المظاهرة، ولم تستمر إلا لدقائق؛ لتبدأ قوات الشرطة والجيش بإطلاق النار بشكل مباشر علينا، لتبدأ عمليات الكر والفر، لنتجه بعدها إلى ميدان التحرير، لنرى ما الذي يفعله هؤلاء؟ وجدنا الميدان مؤمّنًا بشكل كامل من قوات الجيش، لندخل ونرى الاحتفالات، ووصلات الرقص على أنغام الأناشيد الوطنية، وأرى الطائرات العسكرية تلقي الهدايا على المحتفلين، دقائق وأجد اتصالًا هاتفيًّا يخبرني باستشهاد صديق لنا، وقتها شعرت بصدمة كبيرة، وكنت أسير بعين مظلمة، وأنا بصير، وسألت نفسي: مَنْ هؤلاء؟ وما الذي جاء بي إلى هنا؟ وكيف يرقص هؤلاء، ونحن نقتل على بعد أمتار؟ هل هؤلاء بشر؟ هل لديهم القليل من الإنسانية؟!

ما ذكرته سابقًا لم يكن إلا مثل ذر الرماد في العيون، من آلاف المواقف المشابهة، فهذا أب يسلم ابنه للشرطة، وهذا أخ يقاطع أخاه، وهذا جار يشتبك مع جاره، فعلها النظام إذًا ببث حملات الكراهية في إعلامه، حتى أنه يقتل ويعتقل ويعذب وينتهك الحرمات بدون معارضة، بل بتصفيق البعض.

كل هذا كان له أثر بليغ على شباب التيارات الإسلامية، وهم جزء لا يتجزأ من المجتمع المصري، كل هذا جعل هؤلاء الشباب يكرهون المجتمع، وأهل بلده، بل وانخرط جزء كبير منهم في الجماعات التكفيرية، التي ظهرت بعد الانقلاب، والتي كانت نتاج أفعال النظام. لذلك بعد خمسة أعوام من الانقلاب لا أستطيع أن ألوم هؤلاء الشباب عندما يقومون بالشماتة في الشعب، الذي أصبح مغلوبًا على أمره بسبب قرارات النظام الاقتصادية، التي تزيد من إفقار المواطن يومًا بعد يوم.

أنا الآن شاب مطارد خارج البلاد، فقدت دراستي ومستقبلي، وأعيش بعيدًا عن أهلي ومثلي الآلاف، تساءلت كثيرًا، هل يمكن لي إن عدت إلى بلادي أن أعيش مع هؤلاء؟ مع مَنْ أيّد قتلي، واعتقالي، سيكون الأمر صعبًا، ولن نستطيع المسامحة بسهولة؛ لذلك أكبر جريمة ارتكبها النظام في المجتمع المصري هو إحداث شرخ عميق في المجتمع، شطره إلى نصفين، وهو مجتمع لم يكن به يومًا ما قبلية، أو عنصرية، ولم يكن مقسمًا إلى شمال وجنوب، أو شرق وغرب، كان دائمًا مجتمعًا واحدًا.

أظن أن عودة هذا المجتمع إلى طبيعته مرة أخرى قد يحتاج إلى خطوات؛ أولها إزالة النظام العسكري من حكم البلاد، وقد تطول مدتها، حتى يتم محاسبة من ظلم، وإقامة نظام حر ديمقراطي على أساس العدل، ليتم به تضميد الجراح، التي لا تزول بفعل السنين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد