الثورة المصرية قد يرى الكثيرون أنها ضعيفة، بل البعض ذهب إلى أنها تحتضر وأخذ في كتابة النعي والتنظير، لكن في هذا المقال سنتناول هذه النقطة: هل الثورة المصرية حقًا ضعيفة؟

على المستوى الشعبي

جاء استطلاع رأي معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى نهاية العام الماضي كاشفًا عن ميول الشعب المصري للتخلص من الانقلاب العسكري وعدم نجاح ماكينة الإعلام الضخمة في كسر نسب السخط تجاه النظام التي تصل لأغلبية كبيرة أو كراهية قوى الثورة وفي القلب منها جماعة الإخوان المسلمين التي تحصلت على أكثر من 33% كنظرة إيجابية.

فالشعب بأغلبيته الصامتة التي تحركت في 2011 يحوي الآن درجة غليان مشابهة، تعزز قناعاته بضرورة إسقاط النظام العسكري الحالية بما يؤهل ويبشر بحراك فاعل وقوي خصوصًا بعد نجاح حملة اطمن إنت مش لوحدك التي قادها الإعلامي معتز مطر ما أثار جنون النظام وماكينته الإعلامية.

على المستوى الإعلامي

أظهرت نسب المشاهدة تفوق قنوات المعارضة المصرية على أغلب القنوات الإخبارية للنظام وهو أيضًا ما سبب صدمة لدى النظام وبرغم تغييره وتجديده للوجوه الإعلامية لم يستطع تجاوز نسب المشاهدة والمتابعة لقنوات الثورة حتى الآن، رغم فارق الدعم المادي بشكل غير متخيل.

بل أصبح إعلاميو الثورة أمثال معتز مطر ومحمد ناصر وحمزة زوبع وهشام عبدالله أيقونات رغم ضعف الإمكانات والترويج بل وجودة البث، وأصبح الإعلام الموازي من الرموز الشبابية للثورة مثل عبدالله الشريف ويوسف حسين (جو شو) وتامر جمال (عطوة كنانة) يحتل أولوية مشاهدة لدى الشباب المصري على السوشيال ميديا.

على مستوى الرموز الجماهيرية والثورية

رغم إخفاء الانقلاب أغلب رموز الثورة خلف قضبانه من كل التيارات أو وضعهم تحت الإقامة الجبرية.

لكن يتمتع بالحرية نسبة لا بأس بها ذات قبول جماهيري أو قواعد شعبية، أمثال محمد محسوب وأيمن نور ومحمد البرادعي وعمرو دراج وطارق الزمر وعبدالرحمن يوسف ومحمد كمال (6 أبريل) ومحمد منتصر وعباس قباري (شباب الإخوان) وغيرهم الكثير.

على مستوى القوة

هنا أتحدث عن وضع الجيش المصري والأجهزة السيادية،  وهنا ينقسم الوضع إلى نصفين: جزء ينتمي للثورة وعلى رأسهم 26 ضابطًا من مختلف الرتب تم كشفهم بنية قلب نظام الحكم ومثلهم الكثيرين، وجزء يتحرك بدافع الأحداث وانتهاك مقدرات الوطن خصوصًا بعد بيع تيران وصنافير وهنا مثال الفريق سامي عنان والعقيد قنصوة وغيرهم أيضًا كثير كما ينتمي لهذا الفريق ضباط المخابرات العامة الذين تم إزاحة القسم الأكبر منهم على مدار السنوات الماضية.

وفي قسم القوة أيضًا لا يمكننا تغافل تحرك أجزاء من النظام القديم ضد الوضع الانقلابي الجديد ومحاولة السيسي تقليم أظافرهم أولًا بأول.

الثورة المصرية منذ الانقلاب لم تكن لتمتلك مثل ما تمتلكه الآن من أوراق قوة، فقد وحد السيسي ومجموعته الجميع في خانة العداء له، لكن تبقى المشكلة الكبرى، هي في أن كل أوراق القوة تعمل بشكل منفرد بل أحيانًا متناحر، وهو ما يعطل الثورة عن توجيه ضربة قاصمة للانقلاب والثورة المضادة.

الثورة بحاجة إلى ترتيب أوراقها وتوحيد مصادر قوتها والتشبيك بينها وتجنيب الثورة خلافات الماضي التي يذكيها النظام ورجاله وهو بالأساس المسئول عنها، وهنا دعوني أعود لمرحلة الرئيس مرسي وأنا لا أنكأ الجراح ولكني أستخلص الدروس وأستحضر الشاهد.

فقد حرك الجيش قطعانه منذ اليوم الأول بمليونيات لم يكن يحضرها سوى العشرات ثم مع صنع الأزمات وبداية استقطاب الجيش لرموز المعارضة توسعت القاعدة الجماهيرية للاحتجاجات وكانت أحداث الاتحادية التي لم تكن وصلت بعد مرحلة اصطفاف المعارضة ضد الرئيس ما يسمح بتدخل خشن للجيش حتى واتته الفرصة في 30 يونيو فاستغلها بانقلابه العسكري.

نعم لم يكن الجيش ليستطيع الانقلاب لولا توحد المعارضة واصطفافها معه لأسباب متعددة.

كذلك ثورة يناير مع فارق التشبيه بالقطع لم تكن لتنجح لولا توحد المعارضة في الجمعية الوطنية للتغيير والتفاف الشعب حول المطالب السبعة.

ان استكمال يناير يبدأ حين نصارح بعض جماهير التيار الإسلامي وخصوصًا المؤيدين لجماعة الإخوان المسلمين يعتقدون أنهم الأقوى شعبيًا وحتى بعض أنصار قوى التيار المدني تظن أنها ضعيفة.

في حين أن الحقيقة بخلاف ذلك، فأنا أتذكر جيدًا في حملة جمع مليون توقيع للمطالب السبعة، كانت النسبة التي جمعها موقع الجمعية الوطنية يقترب من 400 ألف توقيع بينت جماعة الإخوان عبر موقعها تجاوزت 700 ألف بقليل.

وأتذكر كيف كانت تصل رسائل مكتب الإرشاد للمسئولين حسبما أخبرونا وقتها تحث الصف على التوقيع وجمعها وكانت نسبة ما حصلت عليه قوى التيار المدني صادمة للقيادة، وكذلك نسبة ما جمعناه وقتها فقد تجاوزنا المليون متحدين.

كذلك نتائج الاستحقاقات الانتخابية عقب الثورة لم تمنح الإخوان أغلبية سوى في مجلس الشورى فقط بسبب ضعف الإقبال بينما انتخابات الرئاسة فارق ضئيل وبمجلس الشعب كانت 42%.

الشاهد هنا، أن على الجميع أن لا يظن طرف الثورة الآخر ضعيفًا بل الجميع أقوياء فقط بتعاونهم، وعلى الجميع أن يدرك الحقيقة، الشعب يريد حرية وعيشًا وعدالة اجتماعية وفقط، هو لا يبحث عن أيديولوجيا ولا عن تيار أو جماعة، الشعب سيتحرك -وقد تحرك بالفعل- حين نعبر بصدق عن ما يريده هو لا ما نريده نحن أو يريده غيرنا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد