السبت 29 يناير 2011

صباح يوم السبت 29 يناير 2011، استضافت شاشة قناة “الجزيرة مباشر”، النجم عمرو واكد والناشط اليساري وائل خليل في برنامج حواري على الهواء مباشرة باللغة الإنجليزية، لعرض القضية المصرية على الرأي العام الخارجي ولفضح الانتهاكات التي حدثت في اليوم الماضي للعالم كله، على الجانب الآخر كان إعلام مبارك يعمل على إذكاء نظرية المؤامرة الكونية على مصر، فقامت القناة الفضائية المصرية في سابقة تحسب لها بالكشف عن وثيقة مسربة من موقع “ويكيليكس Wikileaks”، تؤكد أن المظاهرات الحالية كان خطة موضوعة مسبقًا ومقررًا لها منذ عامين على الأقل بالتعاون فيما بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية!

ثم توالت الأخبار المفزعة بعد ذلك عبر شاشات الفضائيات بشأن المساجين الفارين، واتضح أن محاولات تهريب المساجين الجنائيين من سجون مصر قد بدأت من مساء الخميس 27 يناير، ففي تلك الليلة تم إبلاغ اللواء محمد البطران رئيس مباحث قطاع السجون، وهو منصب أمني رفيع يجعله مسؤولًا عن السجون في مصر كلها، بوجود شغب في سجن الفيوم، فتوجه إلى هناك فورًا واستطاع أن يسيطر على السجناء، ولم يتركهم حتى تأكد من عودتهم إلى الزنازين وأغلقها عليهم.

وعلى مدى يومي الخميس والجمعة لم يفتح سجن واحد في مصر بفضل صلابة اللواء البطران، وفي الساعة السادسة مساء من يوم الجمعة 28 يناير تم إبلاغ اللواء البطران بأن هناك تمردًا جديدًا في سجن القطا في طريق المناشي بالقناطر بالقليوبية فتوجه من فوره إلى هناك.

إلا أنه في الطريق تلقى نصيحة من إحدى قيادات الداخلية بالعودة إلى بيته وعدم الذهاب إلى السجن بحجة أن الضباط هناك سيتصرفون في الأمر، كان اللواء البطران يعلم أن غيابه سيؤدي بالقطع إلى تهريب المساجين، وبالتالي أصر على أداء واجبه وأسرع إلى سجن القطا فوجد المساجين في حالة هياج لأن ضابطًا من السجن ويدعى عصام البصراتي قد أطلق النار على مسجون وقتله، فغضب اللواء البطران بشدة وصاح في الضابط القاتل:

“كيف تقتل مسجونًا أعزل؟! سأحيلك إلى محاكمة عسكرية وأنا الذي سأحاكمك بنفسي”.

وأعطى البطران تعليماته المشددة إلى الضباط في كل أبراج الحراسة حول السجن بعدم إطلاق النار مهما تكن الظروف، ثم دخل بشجاعة لمقابلة المساجين وهو أعزل دون سلاح كما تقضي لائحة السجون، واستطاع البطران احتواء غضب المساجين وأقنعهم بدخول الزنازين.

وقالت د.منال شقيقة اللواء البطران أنه قال لها في مكالمة هاتفية “العادلي ولع البلد.. العادلي ولع البلد”، وأخبرها أن هناك 18 قسم شرطة تم فتحها وإخراج المساجين منها، وإذا تكرر الأمر في السجون فستكون كارثة وكان صوته غضبان جدًا.

وفي فجر يوم 29 يناير 2011 وردت أخبار من هناك تفيد بمقتل اللواء البطران رميًا بالرصاص في محاولة من مجهولين لفتح أبواب السجن وتهريب المساجين، وحسب أحد حراس سجن القناطر فإن مقتل اللواء كان نتيجة لمحاولته صد هؤلاء المجهولين من فتح أبواب السجن خصوصًا بعد مقتل حارسين كانا معه، ولكن المجهولين نجحوا في تصفيته وقتله.

لكن كانت هناك رواية أخرى تقول أن عملية اغتيال البطران مدبرة رأسًا من وزير الداخلية حبيب العادلي وأعوانه لتسهيل إطلاق السجناء الجنائيين من أجل تأديب المصريين وترويعهم حتى يكفوا عن التظاهر.

وقال تقرير بعثة تقصي الحقائق التي شكلتها المنظمة المصرية لحقوق الإنسان حول أحداث سجن القطا بالفيوم، إن اللواء محمد البطران، لقي مصرعه برصاص أحد الضباط الذين كانوا متواجدين في أبراج المراقبة فوق أسوار السجن.

واستند التقرير الذي أعلنه حافظ أبو سعدة في مؤتمر صحفي في 17 أكتوبر 2011 إلى شهادات عدد من ضباط سجن القطا ونزلائه، وتتلخص روايتهم في أن اللواء البطران زار السجن فجر يوم السبت 29 يناير التالي لأحداث جمعة الغضب، بعد وصول أنباء عن محاولات السجناء الفرار، ونجح بالفعل في تهدئة نزلاء عنبرين، غير أن نزلاء العنبر الأول أصروا على الهرب، وعندما خرج إلى ساحة السجن خرجوا وراءه وكان عددهم يقارب 1500 سجين.

وحسب رواية الضباط فإن جنود المراقبة بادروا بإطلاق النيران لمنع المساجين من الهرب، فأصابت إحداها اللواء البطران، أما رواية النزلاء فتقول العكس تمامًا وتؤكد إن مشادة وقعت بين اللواء البطران وبين العقيد عصام البصراطي الذي أطلق الرصاص على مسجون أعزل فأرداه قتيلًا، فتوعده البطران بإحالته للتحقيق، هو نفسه الذي أشار لرائد الشرطة جهاد حلاوة في برج المراقبة، فأطلق رصاصتين على البطران فأرداه قتيلًا، وشهد بذلك الجنديين صبري حسن وسمير محمد عبدالستار، غير أنهما عدلا عن أقوالهما بعد ذلك أمام النيابة العامة.

وأوضح تقرير الطب الشرعي بأن الرصاصة التي أصابت البطران جاءت من أعلى، مما يعني أنها ليست من السجناء بل من أبراج المراقبة، ثم أعلنت وزارة الداخلية في بيان رسمي لها مليء بالمغالطات أن “اللواء محمد البطران رئيس مباحث سجن الفيوم قد قتله السجناء أثناء هروبهم” بينما هو رئيس مباحث قطاع السجون وليس رئيس مباحث سجن الفيوم، وقد قتل في سجن القطا وليس سجن الفيوم، وقد أدت هذه البيانات المغلوطة إلى تضليل الرأي العام مما صرف الأنظار لفترة طويلة عن مكان الواقعة وساعد على إخفاء المتهمين الأدلة التي تدينهما، الجدير بالذكر أن الداخلية قد قامت بترقية العقيد عصام البصراطي والرائد جهاد حلاوة بعد الثورة.

لاحقًا وفي مداخلة هاتفية من المقدم عمرو الدرديري مفتش مباحث سجن أسيوط مع الإعلامي حافظ الميرازي في برنامج بتوقيت القاهرة على قناة دريم بتاريخ مارس 2013 بحضور لفيف من ضباط الداخلية، أدلى الدرديري بشهادته الهامة عندما كان رئيس مباحث سجن المنيا إبان أحداث ثورة يناير قائلًا:

“باختصار شديد أحداث سجن المنيا بدأت يوم 14 فبراير، وكان مسلسل هروب السجون بدأ من يوم 29 يناير زي ما السادة كلهم الموجودين حاضرين، وكان كل يوم فيه سجن بيهرب، ووصل عددهم حوالى 12 سجن، بإجمالي حوالي 26 ألف مسجون تمكنوا من الهرب بالكامل من السجون، اتسرقت كل أنواع الأسلحة بالكامل اللي في الـ 12 سجن، لدرجة أن فيه سجن منهم اتكرر وهربوا مرتين وهو سجن المرج تحديدًا.

من ضمن الـ 12 سجن حضرتك فيه سجون تم فعلًا اقتحامها من الخارج.. ده موضوع غير قابل للنقاش وهو سجن المرج وسجن أبو زعبل، باقي السجون خربت إزاي؟

يسأل في ذلك قيادات مصلحة السجون اللي كانت موجودة في هذا التوقيت، واللي تستشف حضرتك من الرد على سؤالي ده اللي حصل معايا أنا تحديدًا في سجن المنيا.. كان يوم 14 فبراير (بعد تنحي مبارك بثلاثة أيام).

وكان أيامها اللواء محسن مراد اللي هو مدير أمن القاهرة حاليًا كان مدير أمن المنيا، وأنا حضرتك طبعًا عارف كانت انقطعت كل الاتصالات بينا وبين قيادتنا في المصلحة من يوم 28 يناير.

لكن إحنا ومعايا ظباط أحسن مني موجودة في السجن لأن إحنا حاسين بالمسؤولية أخدنا إحنا الإجراءات بتاعتنا من غير ما نرجع لحد، وقعدنا بايتين في مكتبنا 38 يوم متصلة بالكامل، فوجئت يوم 14 فبراير أثناء محاولة الهرب، كان الأربع أوض اللي مفتوحين بحوالي 150 او 160 مسجون فقط اللي كانوا موجودين من قوة 1500 مسجون في سجن المنيا، وخطفوا أربع أفراد خدوهم كرهينة ووسيلة ضغط علينا عشان يهربوا، وكانت مفاتيح السجن كلها معايا.

وصل اللواء محسن مراد في خلال عشر دقايق تقريبًا من إخطار محاولة الهرب، طلبت من سيادته أن هو يديني ضابط أمن مركزي بالغاز فقط عشان ألم الـ 150 مسجون وأسيطر ع الموقف، فوجئت بسيادته رفض تمامًا، كررت الطلب عليه أكتر من مرة رفض تمامًا، في خلال فترة رفضه قعدت حوالي ساعة إلا ربع تقريبًا..

طبعًا أنا عارف إن المساجين اللي جوا بتكسر الأوض على زمايلهم وبتخرجهم، إلى أن وصل عدد المساجين اللي خارج الغرف من 186 أوضة (يقصد إجمالي عدد غرف المساجين 186 غرفة) اتفتح عندي 113 أوضة بما فيهم نزلاء الإعدام والنزلاء شديدي الخطورة، في اللحظة ديه أنا تبادر لذهني كل الكلام اللي كنا بنسمعه من يوم 28 يناير عن الإهمال من الظباط المتعمد..

أنا كنت رافض الكلام ده وكواحد من الظباط لا يمكن أصدق يعني إيه ظابط يسيب مكانه أو يعني إيه ظابط يفتح سجن؟ لكن عشان أكون صريح مع حضرتك وديه شهادة أمام ربنا أن في اللحظة ديه من الموقف المتخاذل للواء محسن مراد وهدوء الأعصاب الشديد اللي هوا فيه اللي مش متناسب مع الموقف وخطورته اللي إحنا فيه جيه على ذهني الكلام اللي أنا كنت برفضه، روحت لسيادته وقولتله يا فندم أنا جيت لسعادتك أكتر من مرة.. سعادتك جاي تعمل إيه هنا بالظبط؟

قال لي اتفضل خليك على مكتبك بره وأنا هاتصرف..

قولتله حضرتك من ساعة ما جيت وأنت ما بتتصرفش في حاجة وبعد إذن حضرتك اللي في دماغ سعادتك بالحرف الواحد كده يا أستاذ حافظ.. اللي في دماغ حضرتك مش هايتم عندي.

قال لي يعني إيه؟

قولتله يعني سعادتك مفيش مسجون هايهرب من سجن المنيا إلا على جثتي، في اللحظة ديه الأفراد اللي موجودين كلهم حسوا فعلًا أن هما.. محدش فيهم جبان.

فوجئت بيه راح سيادته راح مديني ضهره وراح متصل بالموبيل بتاعه وقال لي اتفضل يا بيه كلم.

مين يا فندم؟

قالي عدلي بيه فايد (مساعد أول وزير الداخلية الأسبق لقطاع الأمن العام).

كلمت عدلي بيه فايد ع التليفون.. اؤمر يا عدلي بيه؟

قالي يا عمر يابني أنا أخوك الكبير..

قولتله يا فندم أنت سعادتك أستاذنا اؤمرني..

قالي أنا خايف عليك يابني اسمع كلام محسن بيه واطلع بره وسيبه هو يتصرف..

قولتله يا فندم هو كل ما حد يكلمني يقولي خليك بره خليك بره؟ للمرة التانية أنا بكررها لحضرتك.. أنا مش هاسيب مكاني ومفيش مسجون هايهرب من سجن المنيا، وكان معانا ظباط جيش تشرف، وظباط أمن مركزي وقوات أمن في المنيا تشرف بدون ما أذكر أسماء عشان ماسببش لحد فيهم أضرار وأبقى أنا لوحدي اللي متحمل نتيجة هذه المداخلة التليفونية فقط لا غير، ولغينا محسن بيه مراد واقتحمنا العنبر وربنا وفقنا وطلعنا الأربعة المخطوفين من جوه، و3 مساجين توفاهم الله، و11 أصيبوا بالقانون.

وبعد ما نزلت.. أحد القيادات اللي هو على راس قيادات أمن المنيا حاليًا طلب مني أني أدخل أعتذر لسيادته وأراضيه بكلمتين في مكتب المأمور، دخلت لسيادته المكتب ومعايا الأربعة أفراد المصابين اللي كانوا مخطوفين وقولتله يا فندم شرفنا حضرتك ومحدش عندنا هرب، والأربعة أهم رجالتنا تمام وبعتذر لحضرتك عن أي حدية في أسلوبي في كلامي مع حضرتك لأن كان كل غرضي حرصي على المكان.

فأجاب أنت مش عارف أنت عملت إيه يا بيه؟

قولتله يا فندم أنا معملتش حاجة غلط، فقال أنا هاوريك، قولتله والله يا فندم وريني، فوجئت سعادتك بعديها بشهر بالظبط بقرار انتداب لإداره البحث الجنائي في القاهرة، يعقبها قرار إيقاف عن العمل بتاريخ 12 مايو.

كل ده عشان الموقف اللي أنا حكيته لحضرتك، باختصار شديد جدًا يا أستاذ حافظ، وردًّا على السادة اللواءات اللي موجودين عند حضرتك اللي بيقولوا لسعادتك التفتيش، أنا قابلت السيد اللواء منصور العيسوي يوم 6 يوليو وشرحت لسعادته الكلام ده تفصيلًا، وقابلت محمد بيه إبراهيم أثناء زيارة سيادته لأسيوط يوم 20 فبراير وحكيت لسيادته تفصيلًا، سؤلت في التفتيش بالمستندات 6 مرات..

إحنا معندناش تفتيش يا أستاذ حافظ، اللي عندنا جهاز بيدار من قيادات في الوزارة لازالت بتعمل لصالح حبيب بيه العادلي، وعدلي بيه فايد في السجن، واللي يقول غير كده يبقى غلطان، وطول ما الوزارة مقتنعة أن مفيش قيادات تابعة لهذه القيادات المحبوسة، يبقى الوزارة مش هاتيجي لقدام خطوة واحدة، وأنا متحمل نتيجة اللي بقوله لحضرتك”.

فأجابه حافظ الميرازي قائلًا: “رواية حضرتك ديه يا سيادة المقدم ده تأكيد على أنه ما تذكره عائلة الشهيد اللواء محمد البطران رئيس مصلحة السجون بأنه هو أيضًا ربما قتل لأنه حاول أن يمنع تهريب السجون لأحداث فوضى في مصر كثورة مضادة”.

فاستطرد المقدم عمرو الدرديري قائلًا: “يا أستاذ حافظ كويس أن حضرتك فكرتني بأستاذنا محمد بيه بطران رحمة الله عليه وعلى كل شهيد من شهداء الشرطة.. بالنسبة لمحمد بيه البطران الله يرحمه.. محمد بيه حضرتك توجه لسجن الفيوم أولًا وتوفاه الله في سجن القطا، وايه الغرض يوم وفاته أنه يثار إعلاميًا أنه توفاه الله في سجن الفيوم؟

ديه نقطة يسأل فيها قيادات مصلحة السجون.. ديه نمرة واحد، نمرة اتنين أن محمد بيه البطران توجه لسجن الفيوم يومين متكررين ورا بعضيهم.. الأربعاء اللي هوا يوم 26 يناير ويوم الخميس اللي هو 27 يناير لأن كان حصل أحداث شغب في سجن الفيوم وسيادته مشكورًا كان بييجي من القاهرة لسجن الفيوم يلم السجن ويلم أحداث الشغب وينبه على القيادات اللي فيه أن انتو متفتحوش على المساجين لأن الأيام ديه أيام عصيبة أمنيًا.

تاني يوم يخالفوا تعليمات سيادته، ويفتحوا على المساجين لغاية ما حصل اللي حصل في سجن الفيوم.. هرب بالكامل.. 4500 مسجون بأسلحتهم بالكامل، اللي أهم من كده أن مدير سجن الفيوم اللواء نزيه جاد الله اللي كان مدير سجن الفيوم وخالف تعليمات اللواء البطران الله يرحمه وفتح السجن بالرغم من أنه نبه عليه 3 مرات يترقى بعد ما السجن ما هرب منه بالكامل ويبقى مساعد الوزير للسجون كلها.. واحد مقدرش يحافظ على السجن اللي كان فيه تمسكه السجون كلها؟

خد بقى عند حضرتك هذا المنطق وهذا الأسلوب وأنت تقدر تستشف إيه اللي حصل لمحمد بيه البطران الله يرحمه لكن حاجة أنا مشوفتهاش بعنيا فمقدرش أن أنا أفيد فيها، لكن كل الشواهد وكل المعطيات في الواقعة اللي حصلت لسيادته تؤكد أن فيه حاجة غلط إيه هيا الله وأعلم، مين يجرؤ يدي أمر في وجود لواء زي محمد البطران الله يرحمه أثناء محاولته السيطرة على الشغب في سجن القطا مين اللي يقدر يدي أمر بضرب النار وفيه لواء موجود بالرتبة ديه؟ لو قالوا أنه هو مجند زى ما هما بيقولوا، طيب ما يجيبوا المجند اللي طلعت منه الطلقة غلط.. إيه المشكلة؟ وأنا متأكد ساعتها أن أسرة محمد بيه البطران هاترتاح وهاتسامحه، لكن طول ما احنا بنعتم على الموضوع ونقول ماحصلش.. ماحصلش إزاي؟”.

في نفس اليوم السبت، وردت أنباء أخرى عن هروب المساجين من سجن أبو زعبل، بعد قيام الضباط المنوطين بحراسة السجن بفتح الأبواب وإطلاق الرصاص عشوائيًا على المساجين بعد رفض بعضهم الهروب، وعندما حاولت أسر المساجين الاستعانة بقوات الجيش التي من المفترض بها أنها المنوطة بحفظ الأمن.

رفضت قوات الجيش الاستجابة بحجة “أن مصلحة السجون من اختصاص الشرطة المصرية حتى لو كانت منهارة”، وأن واجبهم فقط هو جمع السجناء الهاربين وليس منعهم من الهرب! واستطاع ثمانية أعضاء في حركة حماس الفلسطينية الهرب من سجن أبو زعبل، وظهر اثنان منهم على الأقل بعد بضعة أيام في غزة، بعد أن مروا عبر أحد الأنفاق المخصصة لتهريب السلاح على الحدود بين مصر وغزة.

كما هرب اثنان وعشرون من أعضاء حزب الله المتهمين بالقيام بأعمال إرهابية داخل مصر، وقد شوهد رئيس هذه المجموعة المدعو محمد يوسف منصور في أحد التجمعات العامة في بيروت في 16 فبراير التالي، وأكد اللواء شوقي الشاذلي وكيل سجون المنطقة المركزية وقت الثورة، ضلوع عناصر من حركة حماس في اقتحام السجون ليلة جمعة الغضب وما بعدها، وأن مجموعات من البدو ساعدت هذه العناصر مقابل تهريب ذويهم المحبوسين على ذمة قضايا مخدرات.

وقال الشاذلي إن القيادي في حركة حماس أيمن نوفل قد هرب من سجن المرج ووصل غزة قبل أن يصل الشاذلي إلى بيته في القاهرة، وقال الشاذلي إن “اقتحام سجون أبوزعبل بدأ يوم 29 يناير، وكان لدينا العشرات من النزلاء السياسيين والجنائيين، من بينهم 22 سجينًا من أعضاء حركة حماس وحزب الله، والعشرات من بدو سيناء المحكوم عليهم في قضايا تجارة المخدرات.

بالإضافة إلى أيمن نوفل القيادي بحركة حماس، وسامي شهاب القيادي بحزب الله، كانوا محتجزين في سجن المرج شديد الحراسة التابع لمنطقة سجون أبوزعبل، ويسري موافي طبيب بن لادن المتهم بمحاولة اغتيال حسن أبوباشا وزير الداخلية الأسبق، وبدأ توافد العشرات من عناصر مجهولة، أجمعنا على أنهم عناصر من حركة حماس، ومعهم بدو من سيناء، واحتشدوا أمام السجن على مرمى البصر من ناحية السور الشرقي الذي يطل على المزرعة.

وعلى البوابة التي تطل على ترعة الإسماعيلية، وصنعوا سواتر ترابية خلف الترعة، وبدأوا في إطلاق النيران تجاه السجن، وكان الإطلاق وقتها خفيفًا منذ الساعة الواحدة ظهرًا، إلى أن تم الاقتحام عن طريق اللوادر التي تمت سرقتها من شركة سماد.

وتأكدنا أنهم عناصر من حماس وبدو من سيناء من الجلاليب البيضاء التي يرتدونها، والجواكت السوداء أعلاها الصديري، وكذلك الشال فوق الرأس، وبعض الملثمين الذين يعلقون حقائب ذخيرة على صدورهم ويستخدمون بنادق آلية، واللهجة التي كانوا يتحدثون بها، وأسلوبهم في التعامل مع الأسلحة، وصنع السواتر الترابية قبل إطلاق النيران، وكذلك الزحف بالبنادق الخفيفة أثناء التعامل المباشر بالنيران، بدا واضحًا أنهم عناصر مدربة جيدًا على كيفية التعامل بالنيران، ولا يمكن أن يكونوا مصريين.

وكان عددهم تجاوز الـ150 شخصًا، وبعد انتهاء عملية الاقتحام، توجهوا إلى مقر كتيبة التأمين، واستولوا على كل الأسلحة بها ثم خرجوا، وسجدوا على الأرض وهتفوا الله أكبر ورحلوا، وبعد 3 ساعات من المواجهات وفي الساعة الرابعة والنصف كان المقتحمون قد أحضروا لودرًا آخر من شركة سماد قريبة، واستعانوا بأحد أشخاص من العرب لقيادته، وبدأوا في خلق فتحات بأسوار السجن، وكانت الذخيرة قد نفذت من قوات الحراسة والتأمين، ولم يكن هناك أي دعم من المناطق المركزية، ودخل إليّ في المكتب عدد من الضباط.

وأخبروني أنهم قرروا المغادرة خوفًا من الموت بعد أن اضطربت الأمور، وأصروا على عدم مغادرتهم إلا معي، وقالوا لي لو فضلنا هنا هنموت، ثم حضر أكثر من 5 آلاف من أهالي السجناء، وحاصروا السجن لتهريب ذويهم النزلاء الجنائيين، وكان معظمهم من العرب القاطنين في العزب المجاورة للسجن والقريبة، وبدأ المساجين في القفز من فوق الأسوار”.

ووفقًا لشهادة الشاذلي فقد استغلت حركة حماس وحزب الله الفراغ الأمني في مصر، وقاما بالدفع بعناصرهم إلى سيناء ومنها وصل هؤلاء إلى عمق القاهرة وهجموا على عدد من السجون بينها سجن وادي النطرون ثم قاموا بتحرير أسرى لهم وقياديين في جماعة الإخوان وبعدها عادوا سالمين إلى غزة ولبنان.

وهو ما يعني بحسب أوراق القضية أن رجال حماس وحزب الله قطعوا بسياراتهم ذات الدفع الرباعي مسافة تزيد عن 500 كم من الحدود الفلسطينية المصرية حتى وصلوا إلى سجن وادي النطرون بين القاهرة والإسكندرية.

كما يعني أن حزب الله اللبناني اخترق حدود إسرائيل وقطاع غزة ثم شبه جزيرة سيناء وحتى وصل إلى قلب البلاد، أو أنه اخترق الحدود البحرية لهذه الدول مجتمعة ودخل البلاد إما في غفلة من حرس الحدود والقوات البحرية الإسرائيلية والمصرية أو بالتواطؤ معهم، فإذا كانت الشرطة المصرية قد انهارت يوم جمعة الغضب، فأين كان الجيش المصري الذي كان يحكم البلاد ويفرض حالة الطوارئ؟

وكيف يمكن لمتسلل قطع كل هذة المسافات التي تعادل حجم دول، والعودة دون أن ترصده المخابرات العامة أو المخابرات العسكرية؟
وكيف تسامحت الأجهزة الأمنية المصرية مع حماس بعد الثورة، وقامت بإبرام المصالحة بينها وبين حركة فتح خلال فترة حكم المجلس العسكري، واستضافت فيها قياديي حماس وعلى رأسهم خالد مشعل رئيس المكتب السياسي للحركة، بل وسمحت بافتتاح مكتب للحركة في مصر يرأسه موسى أبو مرزوق؟ ثم كيف يعقل هذا مع رعاية المخابرات المصرية والجيش المصري مع صفقة تبادل الأسرى بين حماس وإسرائيل؟
ثم أتت شهادة الفريق سامي عنان رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية في هذا الوقت في محاكمة القرن التي تلت تنحي مبارك لتزيد المشهد ارتباكًا، فعندما سأله القاضي أحمد رفعت قائلًا:

“هل أبلغت من المخابرات الحربية عن دخول عناصر من حماس أو حزب الله عبر الأنفاق لإحداث اضطرابات بالبلاد وهم يحملون أسلحة؟”، فأجاب عنان بكل وضوح: ”

لم يعرض على المجلس (يقصد المجلس العسكري)، ولم أبلغ بمثل هذا الكلام”، فأعاد القاضي سؤاله بالعامية للتأكيد: “مسمعتش حاجة زي دي خالص؟”.

فأجاب عنان مؤكدًا “لم يحدث”.

فسأله القاضي للمرة الثالثة: “هل خلال تلك الفترة السابقة وأثناء اندلاع أحداث 25 يناير 2011 رصدت الأجهزة المخابراتية بالقوات المسلحة أي تسلل عبر الأنفاق في سيناء لأي من عناصر حزب الله، أو حركة حماس الفلسطينية وغيرها من العناصر الأجنبية؟”، فأجاب عنان مؤكدًا “لا لم نرصد”.

يتبع الأسبوع القادم…

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب الثورة V.2- وائل غنيم
كتاب سقوط فرعون - روبير سوليه - ترجمة دار الطناني للنشر
كتاب الجيش والثورة - مصطفى بكري
يوميات تحت حكم العسكر.. وقائع انتهاكات ومحاكمات المدنيين أمام المحاكم العسكرية بعد الثورة
يوميات شعب ثائر تحت حكم العسكر - مركز النديم للعلاج والتأهيل النفسي وضحايا العنف
سلسلة الأفلام الوثائقية: يوميات الثورة المصرية - إنتاج قناة الجزيرة الوثائقية
عرض التعليقات
تحميل المزيد