في جملة ما أنتجته أحداث صائفة 2013م، إعادة موقعة المؤسسة العسكرية في مكانها المعهود، الذي أسس له في خمسينيات القرن الماضي، إذ لم تعبر هذه الأحداث عن انتقال ديمقراطي، بقدر ما عبرت عن عودة أو رجوع المعادلة إلى شكلها السابق ليناير 2011م، تراوحت التوصيفات لما حدث بين تفاؤلية الثورة، وتشاؤمية الانقلاب على جماعة الإخوان، والملاحظ أن كلا من الحكمين ينبعان من رحم شخصية من أطلقهما، فمن كان يحمل قدرا من التعاطف مع الدولة المدنية، والحكام المدنيين نزع إلى تبني عبارة انقلاب عسكري، ومن كان يحس بأن حكم الإخوان تهديدا، أو منتجا أنتجته هستيريا ثورة تغلب عليها الانتقامية من نظام مبارك، أكثر من عقلانية الاختيار الديمقراطي المنبثق عن قناعة، وتأسيسا عما يعرض من برامج انتخابية، استعمل مفهوم الثورة.

من الأخطاء التي تكلف المجتمعات غاليا، هي النظرة الماضوية الضيقة للأمور، أي: الانغلاق بحدث تاريخي، إيجابي كان أو سلبي، والجمود عنده، مما يجعل حركية الاستمرار، والمضي نحو الأحسن تتوقف، وهذا ما لا يجب أن يكون في مصر، اليوم رئيس مصر المعترف به هو عبد الفتاح السيسي، بغض النظر عن الطريقة الظاهرة والباطنة التي جاء بها، ومن هنا لا بد من الحكم على نظام السيسي من منطلق آني، وواقعي، وليس عبر منطلقات تاريخية، ننسى من خلالها الحاضر، بالغوص في محاكمات افتراضية يعبر عنها بالزمن الماضي، هنا نقصد الربط الأعمى بينه وبين نظام مرسي، الواضح اليوم، في هذه الفترة التاريخية أن العنوان الرئيس هو “ما العمل؟” ، عملت المؤسسة العسكرية كل ما يمكن للعودة إلى موقعها السابق، فازت بالرئاسة، كسبت ود أطراف إقليمية، وحتى دولية، وعادت مصر تعامل كدولة طبيعية تماما كالسابق، لكن ماذا حمل السيسي لشعب مصر؟ ما هي القيمة المضافة لمصر؟ هل يحكم وفقا لبرنامج أو وفقا لكاريزما العسكري الذي جعله الإعلام يبدو وكأنه منقذ؟

الملاحظ أن الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي، دخل الحياة السياسية بعقلية النخب التي سبقته، والتي تؤمن بفرضية ضمنية، لا يتحدث عنها الإعلام، لكنها تلامس الحقيقة، وهي أن حب الشعب المصري لشخص معين يجعلهم يتجاوزون أخطاءه، هذه الأخطاء التي ترى في توسع الطبقات الفقيرة، والمحرومة، والغلق السياسي، وكبت أصوات الشباب، أي الاعتماد على الكاريزمية الخرافية أكثر من الاعتماد على البرنامج والعمل السياسي الواقعي الملموس، طبعا لا يمكن تطبيق هذا التكتيك، بدون وجود آلة إعلامية ضخمة قادرة على تحويل ذرات الانجازات إلى كتل جبلية ضخمة، ولو بتوظيف الخرافة، فلا عجب أن يقال إن الرئيس هو رسول، واسمه مذكور في أساطير فرعونية، وكذلك المؤسسة العسكرية واختراع جهاز قادر حتى على علاج الإيدز، ولا يتوقف هذا التسويق عند حد الإعلام الذي يبدو طبيعيا حين يقوم بأفعال مماثلة؛ لأن وظيفته الرئيسة هي تسليط الضوء على الظواهر، بل يتعداه إلى إقحام المؤسسات الدينية، وعالم الفن، والكوادر الوطنية في عمليات ترويجية ينبغي أن يتنزه عنها في الظروف الطبيعية.

لا يمكن، ربما ، فهم العلاقة بين الرئيس السيسي والمجتمع المصري، دون فهم التراكم التاريخي الدافع نحو خلق هذه العلاقة بين مؤسسة مصر العسكرية والشعب المصري، صحيح أن المؤسسات العسكرية في العالم تحظى بنوع من التميز في المعاملة، من منطلق أنها تمتهن العمل الأكثر خطورة وحساسية في شبكة الوظائف الاجتماعية، فحتى ثورة يناير، كانت ضد نظام مبارك، ولم تحمل سوى إيماءات خفيفة الجهد حول العسكر، وغزوهم للحياة السياسية، والاقتصادية، وحتى الاجتماعية، فأصبح معيار النجاح داخل المجتمع هو الوقوف في أقرب نقطة من المؤسسة العسكرية.

الحقيقة، أن الجيش المصري جيش يستند على سمعة تاريخية، ليس فقط في الداخل المصري، وإنما في كامل المنطقة العربية، وحروبه مع إسرائيل تشهد له بهذا، لكن مهما كان الجيش قوي، فإنه لا يملك الحق في توجيه مخرجات الصراع السياسي لصالح طرف معين، والاستئثار بالخطوط العريضة للمصلحة الوطنية، فالجيوش هي فاعل وظيفي داخل مجتمعه يؤدي مهنته الدفاعية في إطار دستوري، القرار فيه لمدني تعينه الأغلبية الانتخابية، هذا في الظروف العادية طبعا، ليس سرا أن التراكمات التاريخية في جمهورية مصر العربية دفعت باتجاه نسج علاقات بين الجيش والمجتمع من الجهة، والجيش والسياسة من جهة ثانية، هذا النمط من العلاقات يحتاج إلى إعادة نظر، كشأن العديد من الأنظمة العربية، انتقل التفاوض السلطوي من المواطن والمرشح الذي يعرض بضاعته السياسية، إلى المرشح والعسكر، فكل راغب في السلطة في مصر يبدأ بالتفاوض مع أصحاب البدل العسكرية، قبل أن ينتقل إلى المواطن الذي يصنف في مستوى أدنى ضمن فلسفة أولوية العسكري على المدني التي تؤمن بها العديد من أنظمتنا العربية، إذن، هذه المعادلة التي أوجدتها ظروف تاريخية في مصر، هي من تتحكم في ديناميكيات التفاعل بين نظام السيسي وطبقة الجماهير، من الصعب تغييرها، إلا إذا وجدت نية من طرف الفاعل الأقوى أي العسكر، خاصة بعد الإنهاك التي تعرض له المجتمع المصري منذ 2011م، ومازال يتعرض له.

ما يلفت الانتباه في تجربة الرئيس السيسي، أنه خلق نوعا هجينا من الأنظمة السياسية، يجمع بين ثنائية العسكرة والبولسة، أي انغلاق ونرجسية الدولة العسكرية، مع جو من القمع البوليسي، يذكيه ارتفاع في قدرات النظام التبريرية عبر الآليات الإعلامية ، وعوامل استقواء هذا النظام تكمن، إضافة إلى الدعم العسكري، والقدرة التسويقية، في صعوده ضمن جو من الإنهاك في مصر، أي الخروج من انغلاق دام 30 سنة ، ومن ثم الدخول في تجربة أولى والخروج منها كذلك، وصولا إلى الحكم الحالي، هذا الإنهاك أو ربما التسليم بأمر الواقع، ينبع من رغبة الفرد المصري في العودة للعيش في جو من الاستقرار؛ لأن الثورة رغم نبلها هي حالة من الفوضى المنتجة لواقع يراد أن يكون أحسن وأكثر استقرار، هذا النوع من الأنظمة لا يفصل بين انتقاد فرد من أفراد الشرطة، والمساس بقدسية بالدولة، أي: أنه يقابل المجتمع بضبابية قيمية ومعيارية، مع النزوع إلى كسب أكبر نفوذ ممكن داخل المؤسسات التي ينتظر منها أن تكون جوهر الحياة المدنية، كالبرلمان مثلا، فيصبح الممثل البرلماني يرى في رأيه المختلف مع منظور السلطة فضيحة أخلاقية قد تجعله في موقع المخون، أو غير الوطني وغير ذلك من مفاهيم هستيريا المؤامرة.

كنقطة نظام، وتسليما بواقعية الطرح، الذي يحمل قيمتي الإيجابية والسلبية، هناك نقطة بالغة الأهمية تحسب لصالح النظام المصري الحالي، هو الشعبية المهمة التي يحظى بها السيسي، ونفوذ النظام في كامل الدولة، من مؤسسات، سياسية ودينية، مجتمع مدني وكذا في أوساط الجماعات المؤثرة من مهنيي الفنون والرياضيين، هاتان النقطتان المهمتان، يمكن تحويلهما إلى محركات للدفع بالديمقراطية، ليس مبالغة القول إن نظام السيسي، الذي هو حالة قابلة للانتقاد، يملك مفاتيح بناء دولة ديمقراطية، لا يملكها بمعطيات الواقع فاعل غيره، إذا سلمنا بفكرة المهادنة المجتمعية طبعا، فبالإضافة إلى الشعبية والنفوذ من الداخل، هناك أطراف إقليمية ودولية قادرة على دعم السيسي في قراراته، رغم بقاء شرط حظر الإسلاميين حاضرا، فانطلاقا من فرضية أن المجتمع المصري غير قادر في الوقت الراهن على لعب أدوار تغييرية وأن المؤسسة العسكرية تدعم دون انقسامات الإدارة الراهنة، الرئيس السيسي، بكل ما يثار حوله من انتقادات تناولتها بموضوعية؛ لأنني لست مصريا، يحتكر ثنائية نكس أو تحفيز الديمقراطية في مصر، ويشار إلى أن العامل الضاغط والمحفز نحو تحول السيسي إلى محرك للديمقراطية مصادره ثلاثة: رغبة شخصية، ضغط مجتمعي، ضغط فواعل سياسية مدعومة من الشعب، وترجح الكفة لرغبة الرئيس السيسي الشخصية في اعتبار نفسه مرحلة بناء ديمقراطية آمنة، مستقرة ومستمرة ،هذا إن كان العسكر يفكر بعقلية المؤسسة الواحدة، وليس مبنيا على توازنات أشخاص ومراكز قوى داخلية، إذن تحتاج مصر إلى إرادة سياسية نابعة من قناعة الرئيس الحالي، ومن يدعمه لبناء ديمقراطية صلبة مؤمنة بالتداول والتعددية، وإلا فإن فرضية المهادنة المجتمعية والسياسية ستكرس هذا النظام لعشريات أخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد