بالتزامن مع إحباط الأجهزة الأمنية السعودية لأنشطة الخلايا الإرهابية مؤخرًا، نشطت في المقابل صفحات الوسائل الاجتماعي التي تناولت القضية بعين شعبية وطنية ، لربما العامل المشترك بين الناس كان خوفهم على الأمن والأمان، بيد أنهم اختلفوا على مَن مِن الجهات تجب محاربتها لتفادي هذا الفكر – فكر التطرف – خشية ازدياده وتغلغله في المجتمع، استطرادًا للموضوع وفي معمعة بروز وسائل الاجتماع ، فمن خلال متابعتك لأكثر «الهاشتاقات» مداولةً في بلدٍ عربيٍّ ما، سوف تكون قادرًا على تقييم ثقافة هذا الشعب من عدمه بغض النظر عن نوعية تلك الثقافة.

الحكمة التالية تقول: حينما ينمو الفكر المتطرف، فإن الفكر الليبرالي ينمو بجانبه، هما متوازيان، بطبيعة الحال لا يلتقيان بحكم تباعد المصادر والأصول والإرهاصات. وفي الوقت الذي أخشى أن تكون هذه الحكمة صحيحة، إلا أنه ما يجب أن نخشاه في هذه الساعة وفي هذه الدقيقة وفي هذه اللحظة من ساعة الزمن، هو بدء الشارع العربي المسلم بامتطاء الأيدولوجيات الليبرالية، سواءً كانت عن درايةٍ أم عن جهل، بمعنى أنه لا يمكنك إلغاء حلقات تحفيظ القرآن – مثلًا – بمجرد أنه تم القبض على متطرف كان يومًا ما طالبًا فيها، وإن كانت هذه القاعدة صحيحة مطلقًا فقد التحق بصفوف داعش على سبيل المثال المهندس والدكتور والمغني، هلموا إذن لمحاربة الهندسة والطب والغناء!

أصوات كثيرة تعالت تطالب بمنع حلقات الذكر هذه، بل محاربتها وخنقها، وآخرون من عامة الناس وللآسف اتفقت آراءهم مع تلك الآراء، بمجرد أن لديهم سابقة عرضية حدثت لهم ولأبنائهم في تلك الحلقات. بطبيعة الحال فإن هذا الجلل هو أول مساعي الفئات الضالة في تحويل الساحة الشعبوية إلى مناطق صراع ضد مصادر الخير، توازي مناطق الصراع المسلّح في الأوكار والشوارع والاستراحات.

ما يصعب على الفهم أن معظم المهاجمين على تلك النشاطات التربوية الحسنة، كانوا ولا زالوا أهل انفتاح عقيم، لم يعيشوا أجواء تلك الحلقات ولو لحظة ، تكاتفوا لنقد الإسلام فحسب، بل اكتفت آذانهم لسماع قصص قد لا تكون دقيقة، لإطلاق أحكام أبدية، تراهم أهلُ ديثٍ على أعراض المسلمين، لا يتحرك لهم ضمير حيال القضايا المحورية في الإقليم العربي، لكنهم فور تهادي خبر أن أحد المقبوض عليهم كان “أستاذاً تربوياً” في حلقة من حلقات التحفيظ، صبّوا جام غضبهم وحقدهم على الإسلام وأرادوا إخماده بشتى الطرق. وبطريقة أو بأخرى فهؤلاء قد وافقوا فكر التنظيمات الإرهابية ببروباجندا مناهضة للإسلام الحنيف، ولو كان بن لادن والبغدادي والزرقاوي على قيد الحياة اليوم، لكانوا صفقوا لهم على هجومهم الآنف.

لم يقرأ هؤلاء العامة عن مدى تميز تلك الحلقات عمومًا، وقدرتها على ضبط الخُلق والتصرفات وتنوع برامجها وتفاني أساتذتها، وقدرتها على إلهاء الأولاد عن الشوارع والكلام البذيء بالمجمل، لم يقرأ هؤلاء العامة تصريح والد الطالب محمد الشنبري المتوج بالمركز الأول عالميًا في الرياضيات الذهنية، عن دور حلقة التحفيظ البارز في صقل ذهن ابنه، لم يقرأ هؤلاء العامّة استبيان مركز القياس والتقويم الخاص لاختبارات القدرات والتحصيلي (اختبارات وطنية)، الذي بيّن تفوق طلاب مدارس تحفيظ القرآن في السعودية عن المدارس الحكومية الأخرى.

الكيّس الفطِن يجب أن يعلم أن هذه الحلقات التحفيظية جزء من أجزاء المجتمع المتكامل المتكافل، وزرها وزر غيرها من التجمعات، تحوي البار وتحوي الفاجر ، إلا أنها باتت مصدر نفور واستهداف مؤخرًا أكثر من غيرها بمراحل، أعرف حتى اليوم أصدقاء كثيرين كانت لتلك التجمعات الطلابية دور رئيس في تطورهم وتميزهم، دينيًا ودنيويًا، كما أعرف أصدقاء خرجوا منها كما دخلوها أول مرة، وشخصيًا خضت تجربة مفيدة في إحدى تلك الحلقات، كما لا أزال ممتن لأستاذ الحلقة – مصري الجنسية – ففي حين كنا نستفيد منها، كنا نصحح مفاهيم خاطئة للبعض. بيت القصيد الذي يهُم الآن، إن تلك الحلقات معصومة المصدر والذات والمنهج، أما إن تخللها أراجيف أو كانت محفل لممارسة التحرش والإرهاب، فهنا يجب مساءلة من يقف خلفها، وتعزيره ومحاسبته، بلغة البسيط نقول: الدعم كل الدعم لتلك الحلقات والتجمعات التحفيظية، إن كان لها أخطاء فانتقدوا ثمارها لا جذورها ، ولا دائم إلا وجه الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد