يسعى كثير من الناس لبلوغ أعلى درجات التعليم النظامي، بما يرتقي بهم ويحسن من فرص حصولهم على وظيفة راقية أو درجة متقدمة بالمجتمع ليتحسن بذلك تلقائيًّا وضعهم الاقتصادي، لقد كان التعليم دائمًا وأبدًا المنطلق الذي سعت من خلاله دول العالم الثالث للنهوض بذلك البلد، والسير في ركب الدول المتقدمة بعد عهود طويلة من التأخر والتخلف والركود.

في بداية القرن المنصرم ومع تأسيس الدول العربية الحديثة، كان المجتمع ينظر إلى المتعلم المتحصل على درجات علمية راقية ومتقدمة كالطبيب والمهندس والمعلم أنه نبراس هذا المجتمع وقدوته ودليل ثقافته، حتى قال الشاعر أحمد شوقي في ذلك الوقت في شأن المعلم: كاد المعلم أن يكون رسولا، وبقيت نظرة المجتمع لفترة طويلة أن الجامعة منبع الثقافة الراقية المصاحبة للتعليم.

لكن ارتباط مفهوم التعليم بالثقافة أمر بحاجة لمزيد من المراجعة والتعمق، فليس كل متعلم مثقفًا، فالتعليم يكون بالحصول على شهادة علمية أو أدبية بتخصص ما يتيح لك خدمة المجتمع في هذا المجال أو ذاك، أما مفهوم الثقافة فإنه أعم وأشمل من مفهوم التعليم، وهذا يقودنا إلى تعريف الثقافة لغةً واصطلاحًا، فالثقافة لغة هي من «ثقف الرمح» أي شذبه وصقله وجعله حسنًا معتدلًا مستقيمًا في منظره، أما اصطلاحًا فقد عرَّف مجمع اللغة العربية «الثقافي» بأنه: «كل ما فيه استنارةٌ للذهن، وتهذيبٌ للذوقِ، وتنميةٌ لملكة النقد والحكم لدى الفرد والمجتمع». (منقول)

فإذا ما وجد الإنسان المتعلم تعليمًا أكاديميًّا عاليًا، هل يصح لنا أن نسميه مثقفًا وهو يمارس في سلوكه أمورًا تتنافى مع ما هو متحضر أو إنساني؟

بنظري أن الثقافة ليست أمرًا مرتبطًا بالدراسة الجامعية فقط، إنما هي ما يجمعه الإنسان من ذخيرة إنسانية وثقافية متنوعة، وما يحصل عليه من معترك الحياة والخلطة بالناس، وبهذا تتكون الخبرة الحياتية التي من المفترض أن تنتج إنسانًا راقيًا ناضجًا مرنًا في التعامل المجتمعي على كل الصعد، ولهذا كثيرًا ما نسمع من جداتنا المثل القائل: الصينية الكبيرة تسع الصينية الصغيرة، وقصد بذلك أن النضج الناتج مع تقدم العمر وتراكم الخبرات إضافة للثقافة الناتجة من القراءة ثم التطبيق العملي تنتج إنسانًا مثقفًا حقيقيًّا، ويوجد مقولة إنه كلما ازداد علمك بالدنيا ازدادت ثقافتك وازدادت حكمتك، فليست الثقافة أمرًا حدثًا، وإنما هي في وجود رؤية مستقبلية نافذة تستند إلى ماض عريق ونظرة موضوعية واقعية معايشة.

ونحن في الوقت الراهن لا نعاني من مشكلة في التعليم قدر ما نعاني من أزمة ثقافة، فليست الثقافة كلمات تقرأ من كتب كثيرة دون وجود ترجمة حقيقية لهذه الثقافة على أسلوب حياتنا، وتطوير مفاهيمنا بالتعامل الشمولي في المجتمع ابتداءً من الأسرة، خروجًا إلى المجتمع الخارجي، والمثقف الحقيقي تستطيع معرفته عند الاحتكاك به وفي المواقف الأخلاقية الحاسمة، كما قال عليه السلام: الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم.

فليس المثقف من يرمي النفايات بالشارع، وليس من الثقافة احتقار من هو أقل مني مالًا أو درجة وظيفية، وليس من الثقافة أيضًا الإساءة للزوجة والأولاد، وكذلك تصنيف الناس حسب جنسيته أو عرقه أو قبيلته، ولا يمكن أن يسمى الإنسان مثقفًا وهو يصعر خده للناس، وتحضرني قصة حدثت في زمن الرسول -صلى الله عليه وسلم- عندما مر رجل رث الثياب فسأل الناس عنه، فقالوا هذا رجل لو قال لا يسمع له، ولو خطب لا يزوج، ومر رجل بكامل أبهته وزينته وفخره، ففالوا عنه هذا رجل لو تكلم لسمع له، ولو خطب لزوج، فقال لهم النبي -صلى الله عليه وسلم-: الأول صاحب الثياب الرثة خير من ملء الأرض من هذا، فقياس فضل الناس ليس بقياس ما يملكون من مال أو جاه أو سلطان، وإنما يكون فضل الناس بقياس ما يملكون من علم وثقافة بآن واحد، لهذا يبقى العالم عالمًا ولو لبس الثياب المتواضعة، ويبقى الجاهل المتخلف بائسًا ولو لبس أغلى الثياب.

فبعض الناس قد يصل إلى أعلى الدرجات العلمية، وفي أعلى المناصب الإدارية، ويصبح ذا دخل مالي مرتفع، لكنه متكبر، وسيئ الصيت بين الناس، وأعتقد أن هؤلاء موجودون بكثرة في مجتمعاتنا للأسف، وصدق الشاعر حين قال:

مثل المعجب باستكباره .. مثل الواقف فوق الجبل
يحسب الناس صغارا وهو في .. أعين الناس صغيرا لم يزل

ما أصبو إليه بمقالتي هو أن العلم يرتقي بالإنسان، ويساعد على ذلك اكتساب الثقافة الإيجابية من تجارب الأمم المتقدمة عنا، وكذلك في متابعة سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وخلفائه النجباء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم ممن حسنت سيرته وعم خيره وصلاحه بالتاريخ العربي والإسلامي.

إن ما نسعى لتقليده هنا من الغرب هو القيم الثقافية العظيمة التي تركناها، فعندما تشاهد المسؤول الغربي يمسح الأرض لأنه سكب القهوة بالخطأ على الأرضية عليك أن تقف متفكرًا في فعله، تلك هي الثقافة التي تحتاجها أممنا، وليس شهادات علمية تعلق على الجدار، وخاوية من أي تأثير روحي وعملي وأخلاقي في حياة الفرد والمجتمع، وفي المقابل فدعوتي لتقليد الثقافة الراقية لا تعني استيراد كل ما يصدر عن الثقافة الغربية بالمجمل، والتي نتج منها أن ترى البعض يمشي بثياب ممزقة تقليدًا للموضة الغربية.

إن أمتنا تمتلك ذخيرة ثقافية وأخلاقية عريقة وحتى قبل الأديان السماوية المعروفة، فقد قال رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم-: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، ومن هنا ينبغي للمتعلم أن يوازي بين طلبه للعلم وتطوير ثقافته، بما ينعكس على سلوكه وتعاملاته داخل المجتمع، وبالنتيجة ترتقي أمتنا لحال أفضل مما هي عليه الآن، لنبدأ الآن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد