حلت شعيرة عيد الأضحى هذه السنة بالمغرب، ضيفًا ثقيلًا غير مرحب به لدى العديد من الأسر المغربية، وذلك في ظل الأوضاع الاستثنائية التي تمر بها البلاد جراء جائحة فيروس كورونا، التي عصفت بدول العالم، واضطرار المغرب إلى إعلان حالة الطوارئ الصحية منذ 20 مارس (آذار) حتى يومنا هذا، باعتباره إجراءً وقائيًّا تصحبه مجموعة من الإجراءات والتدابير الاحترازية الرامية إلى تفادي تفشي الوباء في أرجاء البلاد، وما أعقب ذلك من تداعيات اقتصادية واجتماعية وخيمة، جراء فقدان الآلاف إلى مصدر رزقهم، حتى باتت الأسر بين مطرقة إحياء هذه الشعيرة الدينية وسندان الأزمة المالية، التي تخيم ظلالها على العديد من الأسر، خصوصًا تلك الأسر التي ينشط رب الأسرة في القطاع غير المهيأ، ومن ذوي الدخل المحدود، والذي أصبح لا يسعهم حتى توفير القوت اليومي بالأحرى أضحية العيد، الأمر الذي جعل اقتناء رأس غنم أو خروف أمرًا عسيرًا؛ نظرًا لتداعيات الحجر الصحي وتأثيره على الوضع الاقتصادي والاجتماعي وأيضًا النفسي، وتراكم واجبات إيجار المحلات والمنازل، فضلًا عن فواتير الماء والكهرباء، وما أفرز أيضًا من تراكم مشاكل بين الأزواج، وصل بعضها إلى حد العنف الجسدي، جراء ضغط متطلبات العيش، وهذا ما رصدته المندوبية السامية للتخطيط في بحث أنجزته عن آثار فيروس كورونا على الوضع (إق/ إج/ ن).

الأمر الذي كان أجج دعوات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، أمام هذه الضائقة المالية، تطالب السلطات بإلغاء شعيرة عيد الأضحى هذه السنة، مبررة هذه الدعوات بأن العديد من المغاربة أنهكهم الحجر الصحي، وليس لديهم من الموارد الكافية لشراء أضحية العيد، حتى الدعم الذي وفرته الحكومة من موارد صندوق تدبير جائحة كورونا هزيل، ولا يكفل بالأحرى حتى ضمان القوت اليومي لهذه الأسر، وأيضًا المخاطر المحتملة لانتقال عدوى الفيروس نتيجة التجمعات المصاحبة سواء يوم العيد، وغياب شروط الوقاية في عملية ذبح الأضاحي (لا كمامات، ولا تباعد اجتماعي) أو قبل أيام من حلول المناسبة الدينية، في الأسواق الخاصة ببيع الماشية، حيث كثرة الاكتظاظ، وكل الشوارع المؤدية للسوق وأرصفتها محتلة، تعقبها روائح متعددة من فضلات الأغنام، إلى علف الخرفان والتي تخنق الأنفاس، في غياب شبه تام لشروط الوقاية والسلامة الصحية، وهذا ما قدمه حزب الطليعة الديموقراطي الاشتراكي، مقدمًا مقترحًا لرئيس الحكومة يطالب بإلغاء شعيرة عيد الأضحى، ومن له القدرة، أن يتبرع بها لصندوق تدبير جائحة كورونا.

لكن الحكومة المغربية ضربت بعرض الحائط كل هذه الدعوات، ولم تكترث لها، وتأكيدها على عدم إلغاء شعيرة عيد الأضحى، وهذا ما اتضح جليًّا من خلال بلاغ وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات ووزارة الداخلية، الذي وضح فيه الدليل العلمي المتعلق بالتدابير الصحية الوقائية والتنظيمية الخاصة بعيد الأضحى، لمرور المناسبة الدينية بشكل سلسل، والتأكيد أن المخزون المتوفر من القطيع لعيد الأضحى لهذه السنة كافٍ بما يفوق نسبة 48%.

وهنا تتبلور في أذهاننا أسئلة وجودية حول الدوافع الرئيسية إلى عدم إلغاء شعيرة الأضحى، رغم أن عدد الإصابات في سلم كوفيد 19 مرتفعًا، أليس مجازفة في عدم الإلغاء؟! خصوصًا أن هذه المناسبة الدينية تشهد حركية وزمرة من التجمعات سواء يوم العيد، وغياب شروط الوقاية في عملية ذبح الأضاحي (لا كمامات، ولا تباعد اجتماعي). أو قبل أيام من حلول المناسبة الدينية في أسواق بيع الأكباش، والماشية، بكثرة الاكتظاظ البشري، أو حتى في المحطات الطرقية، وما تشهده من اكتظاظ، وهذا ما حدث في ليلة الهروب الكبير، إثر القرار الحكومي المتضمن بمنع التنقل إلى ثماني مدنًا؛ الأمر الذي خلق هلعًا في صفوف المواطنين، خصوصًا الذين كانوا يعتزمون للسفر خلال مناسبة العيد، والذي سَنّتهُ الحكومة، فاصطف جحافل من المواطنين  مثل القطيع في المحطات الطرقية، وأمام محطات أداء الشركة المغربية لطرق السيارات من أجل السفر قبل حلول منتصف الليل، نظرًا لما دأب عليه الناس كل سنة خصوصًا الطبقة العاملة، والتي تشتغل في مدينة طنجة والدار البيضاء، والتي أصبحت قبلة للوحدات الصناعية والتجارية، حيث إنها تسافر لمسقط رأسها لقضاء شعيرة عيد الأضحى بين أقاربها… إلخ؛ مما يساهم في تفشي انتشار الفيروس، فهل في مقدور الأسر المغربية اقتناء خروف العيد في زمن استثنائي يخيم عليه أزمة مالية تخيم خصوصًا على المواطن المغلوب على أمره؟ وفي حالة الإلغاء من المتضرر؟

إن للدولة في عدم إلغائها شعيرة عيد الأضحى مكسبًا اقتصاديًّا، خصوصًا أن لها حجة دامغة من الناحية الدينية، بحيث إنه يتم الحديث عن شعيرة دينية غير واجبة، بل سنة مؤكدة، وليست فرضًا، بمعنى أنها مسألة اختيارية وليست إلزامية، بالإضافة إلى أن العديد من النصوص الدينية تحث على عدم تكليف النفس فوق طاقتها، وتدعو إلى الصدقة، وخلق لُحمة من التكافل والتضامن، كما تعد هذه الخصلة وهي ذبح أضحية العيد مرتبطة بشكل وثيق بالدعوة إلى الصدقة بثلث حجم الأضحية؛ قربًا للمساكين والفقراء، ومن لم تسعفهم وضعيتهم الاجتماعية إلى اقتناء خروف العيد، لا حرج عليه، بمعنى أن كل من يرى نفسه ليس في استطاعته اقتناء تلك الأضحية لا يضحي، لكن عيد الأضحى في المغرب لا يتعلق بالسنة النبوية وتلك المقاصد الدينية من خلال نحر أضحية العيد، بقدر ما يتعلق الأمر بضغط اجتماعي حول شعيرة دينية إلى فريضة مجتمعية وركن من الأركان الأساسية في الحياة، يثقل كاهل ذوي الدخل المحدود، لا تخلو من حجج شعبوية تسمع بين وهلة وأخرى في الأحياء الشعبية أن عيد الأضحى فرصة للفقراء لكي يأكلوا اللحوم بكثرة كما الأغنياء.

وهذا ما تستغله الدولة من أجل خلق غريزة  التبضع الدينية، وأن تثير صيحات أصوات بيع الخرفان والماشية، في أرجاء الأزقة والأحياء الشعبية؛ الأمر الذي سيرغم رب الأسرة إلى اقتناء خروف العيد، ولو اضطر إلى الاقتراض، أو بيع أثاث المنزل، أو تداوله تلك النقود عن طريق (دوائر الزمان) التي يخبؤها خلسة عن زوجته، تحسبًا لضائقة مالية، حتى لا يترك أولاده عرضة للسخرية من أقرانه، وأبناء الجيران، وإدخال هاجس الفرحة والسرور على محيا شفتي أولاده وزوجته، بالخصوص إن اشترى نوعًا معينًا من الأضحية (السردي)، وبمواصفات تثير التفاخر والاستعراض بين جيران الحي؛ وبالتالي تعويض الكسبة والفلاحين الصغار، وكبار الملاك الزراعيين عن الخسائر المحتملة، وانحياز الدولة وراء الستار بدور المتفرج، وتجنب الدعوات من هذه الفئة، بالمطالبة بالدعم المادي والتعويض عن الخسائر، في حالة إلغاء شعيرة عيد الأضحى؛ وبالتالي سيكون عيد الأضحى فرصة مواتية للفلاحين، ومربي الماشية لتفادي خسائر مادية جسيمة، قد تزيد من تأزيم أوضاعهم، خاصة أمام ما تحملوه من مصاريف لتربية وتسمين الماشية؛ وبالتالي ظل أملهم مرهون بهذه الشعيرة الدينية من أجل بيعها، بعد إغلاق منفد بيعها في الأسواق الشعبية الأسبوعية الخاصة ببيع الماشية والأبقار، وأيضًا منع إقامة الحفلات من أعراس وعقيقة وما شابه… إلخ، جراء جائحة فيروس كورونا؛ وبالتالي فإلغاء العيد كان سيكون مجازفة وبمثابة السكتة القلبية خصوصًا للفلاحين الصغار والتي قد تزيد من معاناة هذه الفئة، أمام ما سيواجهونه من مشاكل أخرى مرتبطة ببيع ما سمنوه، وحصول نوع من الفائض لديهم، وضعف الثمن، الذي قد لا يوازي ما صرفوه من أموال لتوفير العلف، وهذا الأخير الذي يحتكر من بعض اللوبيات، باستثناء بعض مربي الماشية الذين يعتمدون في تعليف الماشية كل ما جادت به الطبيعة.

ثانيًا: عيد الأضحى لا يتعلق بمناسبة دينية فقط، بل موسم تجاري له منافع ومكاسب اقتصادية، في ظل الأوضاع الراهنة التي تمر بها البلاد؛ نتيجة تداعيات الجائحة، وما رافقها من عطب شهدته العديد من القطاعات الاقتصادية، بحيث إن رقم المعاملات الذي يخلقه عيد الأضحى يصل تقريبا إلى 8 مليار درهم؛ مما يساهم في انتعاش الاقتصاد الوطني، وذلك من خلال الرواج الذي يخلقه في العديد من القطاعات، وعشرات المهن الصغيرة التي تنشط، فالأمر لا يتعلق فقط بالكسبة أو الفلاح والمواطن وهو المشتري، بل أيضًا بالعديد من المهن، من الناقل (مول الهوندا) إلى بائع مستلزمات ذبح الأضحية، مرورًا إلى بائع الفحم، وبائع علف البهائم، وأيضًا الشناقة، والذي يكون شغلهم الشاغل المضاربة في أثمنة رؤوس قطيع الخرفان، والتي كانت من بين العوامل التي تسببت في فضيحة رحبة الحي الحسني؛ وذلك إثر تداول مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي توثق لعملية إقدام مواطنين على سرقة أكباش من رحبة لبيع أضاحي العيد، تقع وسط الحي الحسني بمدينة الدار البيضاء، حيث يقوم العشرات من المواطنين بسحب الخرفان من شاحنة بعد أن هجموا عليها ورغبتهم في الاستماع بالبولفاف، أي الكبدة المغربية، صبيحة يوم العيد، الأمر كذلك تتحمله السلطات في تماطلها في الجزر للعديد من الخروقات التي تمر على مرأى أعين رجال السلطة، وعدم تنظيمهم أسواق بيع الماشية وتركها على مصرعيها في قبضة الملاك الزراعيين لقرى تربية المواشي، والشنّاقة (المضاربون) الذين يضاربون في أثمنة رؤوس الأكباش من خروف سعره 1200 درهم إلى 1800 درهم؛ ما يخلق لهم هامش الربح على حساب الكساب الصغيرة، والمواطن المغلوب على أمره من 500 إلى 900 درهم، في ثمن الكبش الواحد، هذا الأخير الذي يعاني من الضغط المجتمعي، جراء تحول شعيرة عيد الأضحى من سنة مؤكدة إلى فريضة مجتمعية واجبة سنويًّا، ليمثل عيد الأضحى التحالف التجاري بين تجار الدين وكبار الملاك الزراعيين ضد فقراء الوطن، في شعيرة دينية وهي سُنَّة غير مؤكدة إلى طقس اجتماعي، ومكسب اقتصادي.

بالإضافة إلى استفادة قطاعات أخرى في مناسبة العيد مثل تجارة الجلود، التي تنتعش خلال عيد الأضحى، لكثرة جلود الأضاحي من الخرفان والمواشي، وبيعها إلى الَمدابغ لإعادة تدويرها، وإدخالها في صناعة الجلود، وإن كان ثلثها يتم إتلافها نظرًا لعدم حُسن استعمالها، وأيضًا القطاع البنكي، وما تشهده هذه المؤسسات البنكية من انتعاش اقتصادي، نظرًا للإقبال المتزايد على الاقتراض من أجل اقتناء أضحية العيد، وما تقدم هذه المؤسسات من عروض للسلف لشراء خروف العيد، وإن كان ذلك يتنافى مع المقاصد والنصوص الدينية التي تعتبر أن السلف من البنك حرام شرعًا.

أما الأصوات التي طالبت السلطات بإصدار قرار بمنع عيد الأضحى، مبررة ذلك أنه مكلف ماديًّا وصحيًّا، باعتبار الضائقة المادية التي تمر بها نسبة كبيرة من الأسر المغربية بسبب تداعيات جائحة كورونا، وصحيًّا باعتبار المخاطر المحتملة لانتقال عدوى الفيروس، نتيجة التجمعات العائلية المصاحبة، وفي الأسواق الخاصة ببيع الماشية، ورغم أن المخاطر قائمة فعلًا، ولا يمكن إنكارها، لكن هل سوق بيع الماشية أخطر من الأسواق اليومية الشعبية التي تشهد كثافة من التجمعات والازدحام في أروقتها ولا وجود للكمامات؟ وإن كان يتم ارتداؤها فإن ذلك يحدث خوفًا من الغرامة المالية، وأعين السلطات، ولا وجود للتعقيم، أو أدنى مسافة للتباعد الاجتماعي والصحي، أو حتى في التجمعات المهنية، وعدم التزام العديد من أرباب العمل بالتدابير الصحية الوقائية، وتكديس جحافل من الطبقة العاملة مثل القطيع، وتماطل السلطات في القيام بحملات دورية للتعقب، أو حتى في التجمعات المصاحبة في النوادي الليلية، والليالي الحمراء في شقق الدعارة المطلة على كورنيش مدينة طنجة، وهي كلها في الخطر سواء، لا فرق بينهما إلا بوعي الناس هنا كما هناك، وهنا على الوسطاء بين الدولة والمجتمع الخروج من جحورهم وحجرهم، والقيام بدورهم المنوط في خدمة المجتمع والترافع  عن المطالب الاجتماعية، وإشراك وتعزيز خدمة الفرد للشأن العام؛ لمواجهة تداعيات الجائحة، وأن لا يترك الأمر بيد أجهزة الدولة، التي لا تنتهج هاجس المقاربة الأمنية، وتزرع هاجس الخوف، حتى بات ارتداء الكمامة ليس إلا إجراءً وقائيًّا إلزاميًّا، وخوفًا من تربص أعين رجال الشرطة في حالة عدم ارتداء الكمامة، وما يعقبها غرامة مالية تصل إلى حد 300 درهم، أو عقوبة حبس، خصوصًا أن الدولة تسير في اختبار فعلي ممنهج لتفعيل نظرية مناعة القطيع. وبعد مرور أسبوعين على آخر زيارة للأسواق الخاصة بيع الماشية سيتبين سلسلة انتشار الفيروس، ويتضح هل المغامرة بصحة 34 مليون مغربي لإرضاء جشع الملاك الكبار، الذين استوردوا ملايين رؤوس الأغنام من أجل تصريفها في هذه المناسبة باسم السنة النبوية قرارًا صائبًا أم خاطئًا؟ أم كان يقتضي الأمر منع تقديم الأضاحي هذه السنة، وإيجاد حلول اقتصادية لمربي المواشي لتعويض الضرر الناتج عن المنع وتفادي المصائب الاجتماعية من ارتفاع عدد المصابين يوميًّا بفيروس كورونا، وحوادث السير التي شهدتها ليلة الهروب الكبير، ومهزلة رحبة الحي الحسني بالدار البيضاء؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد