للعيد في مدينتي نكهة خاصة تميز أهله، وليلة العيد تحديدًا هي ليلة احتفال بقدوم زائر عزيز طال غيابه أيامًا وشهورًا، حتى اشتاقت الروح إلى لقائه وسماع صوته وشم رائحته، وانتظرت العين ليالي لرؤيته.

الأسواق مملوءة بالناس، صغار وكبار، ذكور وإناث، يتزاحمون بشدة لدرجة تبلغ بك -دون قصد- إلى الالتصاق بأحدهم أو إحداهن! بسطات الألعاب والإكسسوارات تملأ الشوارع فتغلقها، ويغلقها مرور الجماهير، فهذا يفاصل على سعر «مسدس خرز» وتلك على سعر «شال»، «بدينار ياختي» يقول البائع، فترد هي «على إيش دينار غالي كتير»!

الأطفال ينتشرون بكثرة، وأصوات بكائهم ونداءاتهم «يا ماما اشتريلي هاي»، «لا لا غالية بكفي اللي اشتريتلك اياه» ترد هي. تتصاعد أصواتهم بالبكاء والصراخ فتمسك إحداهن يد ولدها وتذهب به إلى المنزل، أو تستسلم أخرى لدموعه، وبخضوع لمشاعر قلبها تقول بينها وبين نفسها: «خليني اشتريلو كلو هالعيد، العيد للصغار خليهم يفرحوا».

ولكن السؤال الذي يراودني الآن، هل حقًا العيد للصغار فقط كما يقولون؟ من يتجول بين أسواقنا ومحلاتنا يرى أن العيد فرحة للصغير والكبير، وكأن الناس عطشى لليلة فرح كهذه، يمشون، يشترون، يأكلون البوظة، يعاكسون الصبايا، ويسهرون الليل بأكمله في الشارع.

ترى الناس كلهم وكأنهم واحد، متلاصقون، يمارسون نفس الطقوس، حتى يخيل إليك للحظة بأنهم من عائلة واحدة، وأنّ هذا هو أخ ذاك، وهذه خالة تلك، وكأن ملامحهم الأصلية وضعت جميعًا في وعاء ساخن جدًا، فانصهرت ثم عادت إلى الوجوه ضمن قالب واحد، هي نفس الوجوه حتمًا.

في مدينة أخرى تشبهها ولا تشبهها، تشبهها لأنها تتبع لنفس الدولة التي تتبع لها تلك، وفي المدارس صباحًا ينشد طلاب هذه وتلك نشيدًا واحدًا، وفي الصباح أيضًا يستمعون لبرنامج إذاعي واحد، وفي المساء يكتبون «تعليقًا» على خبر واحد في «صفحة» واحدة، ولأنهم أخيرًا يتلقون مفاجأة رفع الأسعار من شخص واحد أيضًا!

ولا تشبهها، فهذه المدينة الرئيسية سياسيًا، واقتصاديًا، وثقافيًا، هي المدينة الباردة يدخل هواؤها رئتي وكأنه ممزوج مع الكلور! هي المدينة الباردة التي تصلها في ساعة متأخرة لتجد بعض السيارات الفارهة مصطفة عند أحد محلاتها المعروفة، لشراء علبة شوكولاته يكفي سعرها لشراء «ملابس العيد» لعائلتين أو أكثر! هي المدينة الباردة التي ما إن تدخلها ليلة العيد حتى يخيل إليك أن العيد هذا العام غضبان حتمًا منها، فاختار أن يذهب في طريق آخر حتى لا يصادفها على طريق الخطأ فتلتقي عيناهما فجأة على سبيل الشوق! فيضعف أمامها ويبقى مرغمًا، فتكون الظروف قد أرادت البقاء وشيء ما في داخله يحدّثه الرحيل!

ولا تشبهها، فتلك، ترى فيها رجلاً وامرأته و«مع إنو العيشة سودا ومش بيضا» يمسكها من يدها يتجولون عند حافة الشارع يضحكون ملء أفواههم. فيها صوت العيد أصوات الباعة، وصراخ الأطفال، وزوامير السيارات، ورائحته رائحة «كعك العيد» وهيل القهوة، وألوانه أضواء المحال والشوارع، وألعاب الأطفال، وفرحة دخيلة على أيام العام الحزينة.

بين برودة هذه المدينة وبرودة أهلها، وأصوات زوامير سياراتها الثمينة، ومظهر سكانها الأنيقين، ورائحة هوائها النظيف، دقائق معدودة فقط وإذا بمدينتي تفتح يديها مرحبة، تدرك عند أول لقاء لك معها أنّ ما كنت تسمع وترى وتشم قبل دقائق هو الصمت والعدم، ولم يترك في ذاكرتك أي أثر، وأنّ ما تشاهده الآن هو حقيقة الأشياء وكل ما شاهدته كان مجرد وهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد