في تلك الأيام يتسابق المسلمون بتهنئة بعضهم البعض بعيد الأضحى، بترديد عبارات «عيدكم سعيد» و«عيدكم مبارك» ولكني وجدت نفسي حائرة ما العبارة المناسبة التي يمكنني أن أقولها؟

فلم أجد غير «عيدكم روهينجا». فهل حقيقة عيدنا سعيد وسط ذاك القهر؟ هل حقيقة عيدنا مبارك وسط هذا الظلم؟ هل حقيقة نحن مسلمون كي نحتفل ونبارك بعضنا بعيد للمسلمين؟ في اختبار دائم ومستمر لإيمان الفرد وتمسـكه بمبادئه وإنسانيته وعقيدته، نرسب دائمًا باعتبارنا مسلمين.

كل يوم يمر علينا ونحن على ظهر تلك الأرض يثبت لي أننا مسلمون ربما، ولكن مسلمون «بالنية»، والنية وحدها ليست كافية لإثبات العقيدة وترسيخها، وهذا ما قاله رسولنا الكريم «ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحـلي، ولكن هو ما وقر في الـقـلب وصدقه العمل».

فكيف انحسر مفهوم الإسلام في نفوسنا إلى هذا الحد؟

الحد الذي حول الإسلام من مفهوم شامل للحياة البشرية في جميع اتجاهاتها، إلى مجرد طقوس تؤدى على نحو من الأنحاء، بل لا تؤدى أحيانًا إلا «بالنية»، بل أحيانًا لا تؤدى على الإطلاق لا بالنية ولا بغير النية، ومع ذلك ما زلنا نردد ونقنع أنفسنا أننا مسلمين، وأنه كلما سبحنا أكثر وسجدنا أكثر ازددنا إسلامًا وقربًا من الله.

ما هو الدين إن لم يكن سلوكًا واقعيًا مطبقًا؟! من أنسانا أن الإسلام دين أعمال لا أقوال؟!

لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ.

من زرع تلك البذرة الخبيثة بعقولنا أننا يمكن أن نظل مسلمين إن فصلنا بين سلوكنا ومشاعرنا وأفكارنا؟ من سيهذب تلك المشاعر إلا سلوك مستقيم، ومن سيرقق ذاك السلوك إلا مشاعر تغلفها الرحمة والتقوى؟ ألا نتعلم أبدًا الدرس؟ هل حقًا وصلنا إلى مرحلة أن طمس الله على قلوبنا فأصبحنا لا نميز بين الطيب والخبيث؟!

فحينما بدأ الغرب محاولته لطمس الإسلام والقضاء عليه ظنوا أن القوة ستكون سلاحهم، فدارت الحروب لعقود حتى تيقنوا أن القوة سلاح فاشل، فهذا الدين كلما حاربوه بقوة، اشتد قوة وثباتًا داخل نفوس معتنقيه، فقرروا تغير خطتهم، بالمهادنة وفرض ثقافتهم لا قوتهم، ومن هنا بدأ الخطر، لأنهم استخدمونا، نعم استخدمونا نحن لوأد ديننا، من خلال صناعة النخب الزائفة دعاة التقدم والتحضر.

أفهمونا أننا كي نصل للحضارة لا بد أن نصبح مقلدين لا أصحاب رؤى ورأي، أفهمونا أننا لا بد أن نصبح تابعين لا متبوعين، لأن ديننا قديم لا تسري أحكامه على عصور الحضارة.

فما شأن الإسلام بالقوانين التي تنظم حياة البشر؟ فلكل عصر أذان. ما شأن الإسلام بالاقتصاد؟ كيف له أن ينظم أسواقًا عالمية وبورصة وخلافه؟ ما شأن الإسلام بالملبس والمأكل والمشرب؟ هي حرية شخصية. ما شأن الدين بالسياسة؟ فالسياسة عمل قذر الدين أنقى من أن يتلوث بها، الدين مكانه داخل أروقة المساجد، وداخل كهوف النفس في خلواتها. ما شأن الإسلام بالفن والصحافة والإعلام والأدب؟ هو عبادات وصلاة وصوم. إلى أن وصلنا ما دخل الدين بحياتنا كلها، هكذا تدرجوا بنا في أول الطريق وتدرجنا نحن بأنفسنا باقي الطريق إلى أن وصلنا لقاع الهاوية، لكن الأغرب إننا ما زلنا نردد أننا مسلمون ومقتنعون بذلك.

لقد انحسر مفهوم الإسلام داخل نفوسنا ومنه لداخل مجتمعنا، ليصبح شظايا متناثرة، لقد أصبح الإسلام طقوسًا تؤدى بإخلاص أو بغير إخلاص يظن أصحابها إنها الإسلام الذين سيقابلون به ربهم وقد رضي عنهم ورضوا عنه. هكذا ضُللنا وأضللنا، هكذا ضِعنا وأضعنا.

لذا رغم وصول المنتسبين للإسلام لقرابة الـ 2 مليار، ورغم اتهامهم بالإرهاب والعنف، نجد أن المضطهدين في كل بقاع الأرض هم المسلمين، نجد أن كل أنواع الإرهاب مُورِست وتُمارس على المسلمين، كل أنواع التنكيل والتعذيب والاضطهاد عانى ويعاني منها المسلمون، سواء على يد أعداء الإسلام بداية من الأندلس وصولا إلى بورما، أو تعذيبًا وتنكيلا على يد بعضنا البعض، والناظر للمعتقلات في كل الدول المنتسبة للإسلام يجد أن القابعين بها تهمتهم واحدة، يقولون: ربي الله.

إن ما يُفعل في مسلمي الروهينجا عبر تاريخهم حتى يومنا هذا يعجز الشيطان أن يدونه في موسوعته ليفتخر به أمام أبنائه، أنه وصل بالبشر عامة إلى ذاك المستنقع من اللاإنسانية، وبالمسلمين خاصة من الانحطاط وعدم التمسك بأبسط مقومات دينهم «انصر أخاك ظالما أو مظلومًا».

مسلمو الروهينجا سيف معلق فوق رقابنا جميعا، يتهمنا وبكل الأدلة أننا لسنا مسلمين، مسلمو الروهنجا ذنب وإثم سنحاسب به جميعا أمام الله، لا نوايا طيبة ولا صلاة ستشفع لنا عن صمتنا عن إخوة لنا في الدين يراق دمهم صباح مساء بلا ذنب أو جريرة سوى أنهم مسلمون، عن أعراض أمة محمد المستباحة لكلاب الأرض، دون يخرج من المليارين رجل يذود عنهم.

في الوقت الذي يحتفل فيه متخمو العرب والمسلمين بالأضاحي فيما تسمى ببلاد المسلمين، متصدقين على من نهبوهم من فقراء المسلمين ببلادهم، يُذبح مسلمو الروهينجا أضحيةً وتستباح أعراض نسائهم على مذبح البوذية المقدس على مرأى ومسمع من العالم المتحضر المتمدن، بدون أي شجب أو إدانة مخزية، ليس هذا فحسب بل يمنح العالم رئيسة وزراء ميانمار جائزة نوبل للسلام.

أخبروا المعتصم أن نساء المسلمين ورجالهم يصرخون وا إسلاماه ولكن حكام المسلمين صم بكم عمي لا يفقهون، أخبروه أن (…) مصر من تشدق بأنه مسافة السكة سينقذ من يريد مشغول بجمع الأرز، وأن تيوس الخليج بحصار بعضهم مشغولون، وأن باقي الخنازير القابعين على حكم بلاد المسلمين ما بين الخمر والنساء لاهين، أخبروه أو أخبروا الصارخين المستغيثين أن أمة محمد لم يعد بينهم معتصم أو صلاح الدين.

لذا لا غرابة أن نصبح اليوم على كثرتنا كغثاء السيل، نزع الله مهابتنا من قلوب أعدائنا، وزرع بقلوبنا الوهن حب الحياة وكراهية الموت ، فتداعت علينا الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها، ولكن…

ما دام هناك أًناس كمسلمي الروهينجا يُقتلون من أجل تمسكهم بدينهم، فهناك أمل أن يستيقظ ذاك الجسد المثخن بالطعنات ويستفيق من سكرات موته التي أطبق عليه بها شياطين الأرض كلهم كي يواروه الثرى، ينهض من جحيم الاضطهاد، وجحيم التضيق، وجحيم الغربة عن ذاته ومكانه، ينهض ليستعيد ريادته التي منحها الله له.

فرغم كل ما سردته، أقول لكم: أن المستقبل للإسلام.. نعم هو لنا عندما نعود مسلمين «وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

  • كتاب هل نحن مسلمون للكاتب محمد قطب

تعليقات الفيسبوك