إنها كابنة لا شرقية ولا غربية أضاءت بمصباحها القلوب المظلمة، أَذِنَ بخروجها إلى الحياة نورُ السماوات والأرض، بعد سنين من الحرمان قضى فيها أبواها من الصبر المُضْنِي ما تَلوَّن بفنون العذاب لتخرج من مشكاة الفكرة المباركة التي تضيء بذاتها كأنها الكوكب الدُّرِّيُّ.

هكذا وُلِدَت البنتُ النقية الزكية الطاهرة، ووُلِد معها النور الذي لا تحجبه ظلمات الأرض ولا أشرار العالم، إنها الثورة السورية العظيمة أمُّ الثورات وعظيمة الثورات، ثورةُ كل شريف عزيز وصاحب كرامة، ومع انتهاء عصرها الثامن وبداية عصرها التاسع- إذ إنَّ ما تحتويه كل سنة منها يملأ عصرًا كاملًا؛ صار حقَّا علينا أن نسميها ثورة العصور، ثورة تواكب بأحداثها كل عصر من سنن الله في كونه، وتعيد التاريخ واقعًا ملموسًا لا مفر منه، وإن للعصور بقية، فمن شاء أن يسبر أغوار التاريخ ويفكك مُعضلاته ولا تعتاصَ عليه المسألة الواحدة فيه فليدخل إلى أي عصر من هذه العصور الثمانية، وإن لكل عصر بابًا.

الباب الأول: باب الانتفاضة وطلب الحرية

وإنك لتشعر في دخولك هذا الباب أنَّ روحًا جديدة انبعثت داخلك لتروي لك قصة المفقود الذي تبحث عنه لأجلك، لم تجده إلا بعد صفعةٍ نادرة الوجود ترميك إلى قارب النجاة، وأنت مغمى عليك، والقارب يسير والأمواج تتلاطمه من جوانبه حتى ينتهي إلى شاطئ جزيرة ليس بها إلاك، لتصحو وأنت كامل الحياة مع أنك لا تملك شيئًا إلا أنك تدرك تمامًا أنه قد آن الأوان لتصنع حياة غير تلك الحياة، ودستورًا غير الذي كنت تعيش عليه وقوانين غير التي كنت تسير بها، قد خطَّها خيالك المديد وأنت لم تبلغ الحُلُم بعد، والآن حان وقت الصراخ بصوت عال: حرية.. حرية.. حرية، إنه آذان يُسمَع لأول مرة بعد صمت طويل قد تكفل الله إسماعه الناسَ ليأتوك على كل ضامرٍ من كل فجٍّ عميق، ثم يجتمع الناس قلبًا ولسانًا وجسدًا لتقوم قيامة الظالمين.

ويقابل هذا الباب باب العبودية الذي يدخله كل متقاعس وجبان وجاهل، وقد بُليت ثورتنا وغيرها من ثورات الربيع العربي بعدد لا يحصى منهم على مستوى العلماء والتجار ومتوسطي الثقافة، وكلِّ من أعمى الله قلبه فانقلب على عقبيه لتدور على هؤلاء جميعا دائرة السَّوء، بل قد بُلِيَتْ الثورة من داخلها بأهل العبودية فتحوَّلوا إلى أجِنْدَاتٍ تطيع مغمضة العينين حتى صاروا كغثاء السيل، ولكن أينَ المفرُّ من الله الذي تكفل بالشام وأهله؟ وتبقى الفئة القليلة الصافية التي يُنزِّل الله عليها فتحه ومدده تمهيدًا لبزوغ الفجر القادم.

الباب الثاني: باب الصبر

الصبر الذي يأتي معه النصر، الصبر الذي ما رُئِيَ مثله إلا في صدر الإسلام، صبر على القتل والظلم والتشريد والتهجير، صبر على صمت العالم المتآمر ضد كل ثائر، صبرٌ عَلِمَ أهله أن الحرية لها ثمن، فقدمت الأمهات أبناءها للدفاع عن الأرض والعرض فكثرت الخنساوات في ثورتنا، وصار عز التضحية يجلجل في شامنا وسنظل نصبر حتى يأتي الوعد بالنصر وإنه لآت.

ويقابل هذا الباب باب الاضطراب والتبرم وقد فقد من دخل هذا الباب الحلاوة العظيمة التي تأتي بعد الصبر، فلا مكان للمتلونين والمتذبذبين في دنيا الصابرين الصادقين، ولا في آخرتهم.

الباب الثالث: باب الجيش الحر

الجيش الحر هو شرف هذه الثورة وعظمتها، به بدأ التحرير وبه بدأت الثورة تشم عبق الحرية، وله كانت وما زالت تُرفع القبعات، وكل فصيل شذَّ عن طريق الجيش الحر فقد أبعد النُّجعة، ومن عبر القارات بأحلام لا تشتري رصاصة فقد خلط الوهم بالحقيقة، ورحم الله القائد عبد القادر الصالح الذي نادى أصحاب الرايات بصوت المشفق: اجعلوها لله –أي اجعلوا الثورة لله لا للأسماء الفارغة والتحزبات – ولكن أبوا إلا أن يجعلوها كذلك.

ويقابل هذا الباب باب جيش أبو شحاطة وداعش، فإنَّ جيش النظام قتل شعبه وأهله ومعه الميلشيات الشيعية والمرتزقة وداعش التي صارت مطية للاختراق العالمي، ولا نزال نرى من الناس من يدافع عنهم أو ينتسب إليهم، فماذا حصل للناس؟ لقد ذهب الحياء وضاع الانتماء، وليت القاتل بشار الأسد ومن معه من الأنجاس ومن يقاتل بصفِّه بوجه آخر من على وجوههم غبرة ترهقها قترة؛ ليتهم علموا أنه ليست الآخرة فقط جنة ونار، بل حتى في الدنيا يوجد جنة ونار، والدنيا قلابة، وإنَّ غدًا لناظره قريب.

الباب الرابع: باب الأخوة والاعتصام

منذ ان بدأ تاريخ دين الإسلام إلى الآن علم القاصي والداني أنه لا انتصار ولا عزة ولا تمكين إلا بالأخوة والاجتماع والتوحد، وهو أمر الله تعالى بقوله: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [آل عمران: 103]، ومن خلال سنيِّ الثورة رأينا أن كل الأراضي التي تحررت كانت باجتماع جميع الفصائل وبالأخوَّة الإيمانية، فإن أصحاب الحق ينتصرون بإيمانهم واجتماعهم على الفكرة التي قاموا ينتصرون لها ويفنون الأرواح لأجلها، وأمَّا ما يقابل ذلك من فرقة وتحزب فهو نذير الهلاك والهزيمة والبعد عن تحقيق الغاية السامية بعد المشرق عن المغرب، وفي الفرقة تحكُّم الظالمين والمتجبرين ومزيد من ضريبة الذل والعار.

الباب الخامس: باب العلم بالدين والسياسة والتاريخ

لقد فتحت الثورة هذا الباب واسعًا واندفع الناس إلى تعلم دينهم بعيدًا عن علماء السلطان وأهل البدع والتمسك بروح تعاليم الإسلام صافية من دون شوائب رغم كل الدواخل التي أثرت في بدايات الاطلاع ودخول التجربة، وصار الثائر اليوم يعرف عمَّن يأخذ دينه، وكذلك في السياسة تدافع المثقفون من كل المجالات إلى دراسة الثورة بعمق، وفهم السياسة العالمية الدائرة حول المصالح، وصار طلاب العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعات دول اللجوء والجامعات الافتراضية يكثرون بحثًا عن الحقيقة والفهم الصحيح لتقلُّبات الأحوال والخلافات بين الدول، ولكن لم تُخَرِّجْ لنا الثورة بعدُ سياسيين مخضرمين نافعين للثورة وأهلها إلا قلَّة حُجِر عليهم بحكم التآمر الكبير على الثورة، وبحكم الشرذمة التي نحن فيها الآن وانفصال العسكرة عن السياسة ولأنَّ قرارنا ليس بأيدينا، ولكن في قابل الأيام سيكون لدينا من السياسيين من يحمل همّ دينه ويدافع عن ثورته وأرضه في كل المحافل، ورحم الله نجم الدين أربكان الذي قال: “المسلمون الذين لا يهتمون بالسياسة يحكمهم سياسيون لا يهتمون بالمسلمين”. وهذه دعوة مهمة لتعلم السياسة وشريعتها، وأمَّا التاريخ فقد صار الحديث عن تاريخ المسلمين حديثًا شائعًا، والاستشهاد بمواطن القوة والضعف فيه ومقارنة الحاضر بالماضي دواء يخفف عن أهل الثورة مصابهم، ومن أجلِّ الصور صورة الخلافة العثمانية وأثرها المتجدد لحماية الدين والدفاع عن أهله.

ويقابل هذا الباب الجهل بما سبق، وفي هذا من الدمار والخراب للعقول والأجيال ما يجعل الثورة نزعة للبقاء مع المحال.

الباب السادس: باب العهد والأمانة

أن تسير وفي يدك صرَّة تحملها على كتفك، وفي داخل الصُّرَّة زاد يجب أن توصله لأولادك البعيدين عنك كي لا يموتوا، ولتصل إليهم يجب أن تمرَّ بصحراء يشتد فيها الحرُّ والعواصف والكثبان الرملية التي تعمي العينين، ثم نهر طويل تعبره وحدك دون مركب، ثم جبل عظيم تتسلقه من جهة وتنزله من جهة، ثم مدينة خاوية إلا من الأشباح تغطت بالثلوج وأنت حافي القديم، وفي كل هذا تقع وتقوم ثم تقع وتقوم، وهكذا حتى تصل والصُّرَّة مسلمة لا شية فيها، وتطعم أولادك من هذا الزاد الذي حملته لهم، هذا معنى أن تحافظ على العهد وأن تحمل الأمانة، وهكذا نحمل هذه الثورة لنوصل مبادئها وأفكارها لأولادنا ليصَّدِّروا العزة والكرامة والعدل إلى أصقاع الأرض.

ويقابل هذا الباب باب الخيانة فكل من يرى أن بشار الأسد على حق فقد خان، وكل من قاتل مع بشار الأسد فقد خان، ومن قتل المسلمين بتهمة الردة فقد خان، ومن سرق مال الثورة فقد خان، ومن أكل أموال اليتامى وحقوق الأرامل فقد خان، ومن ضيع دماء الشهداء في المؤتمرات الباردة فقد خان، ومن أسقط الكفاءات فقد خان، وكثير هم الخونة، ولكن الثورة باقية ما بقي فينا الأمناء المحافظون على العهد مهما تعرَّضنا لزلازل الخيانات، وبراكين المؤامرات، وإن الله ناصر المستضعفين ومستخلفهم، وليس بغافل عما يعمل الظالمون.

الباب السابع: باب الرضا

كيف لا نرضى ونحن نعلم أن ما كان وما يكون وما سيكون هو من عند الله بقضائه وقدره، وإنْ كان السبب نحن أنفسنا، وإن كفاحنا وجهادنا كي ننجو نحن أولًا من ظلم المتجبرين في الدنيا، ولننجو ثانيًا من عذاب الآخرة ونفوز برضوان الله، فنحن قوم دنيانا طريق لآخرتنا، فلذلك نبتغي حسن القول والعمل، وأما السخط الذي يقابل هذا الباب فهو ليس صفة لأهل الحرية والثبات والصبر والجيش والحر والأمانة والسياسة والأخوَّة، بل إنَّ من سخط فإنما سخطه على نفسه.

الباب الثامن: باب الثبات

الثابتون لهم نداء من ربهم فسمعوا وأطاعوا، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال: 45]، والثبات على الثورة ومبادئها من الثبات على الدين، فثورة سوريا هي ثورة المساجد وهي أيضًا ثورة لكل السوريين الثائرين ضد نظام الأسد، إنَّ ثورة فيها الثابتون لن يخذلها الله عز وجل، إنَّ هذا الباب خطير لأن الداخلين فيه كثير والخارجين منه كثير والثابتين قليل. والآن عندما ننظر إلى السوريين في عام ثورتهم الثامن نرى من الثبات العجب العجاب، وأيضًا بالنظر في مقابل هذا الباب من التحوُّل والتقلُّب نرى العجب العجاب، وذلك بفعل الدولار والسلاح والمناصب، فاللهم الثبات الثبات.

هل أنت الثورة؟ فجِّرها… حرِّك للبحر أعاصيره

ما عذرك؟ قل لي أخبرني.. جبنٌ أم عجز أم حيرة؟

الثائرُ لا يقعد حتى… يطرد لليل دياجيره

يمضي عزمًا، يحيا قُدُمًا… لا يطلب منَّا تقديره

قلبٌ كالغيث إذا يهمي… يحيي للروض أزاهيره

وختامًا: حسبنا أن نعلم أن أهل الحق يموتون ويحيا ذكرهم، وأهل الباطل يموتون ويموت ذكرهم؛ لأنَّ أهل الحق أحيوا ما جاء من الحق فكان لهم نصيب من قوله: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: 4]، وأهل الباطل شنؤوا ما جاء من الحق فكان لهم نصيب من قوله {نَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} [الكوثر: 3].

أبناء الثورة مستمرون والثورة مستمرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد