(1)

أقف الآن على حافة سفينة مصر، أنتظر دوري في الغرق، أو أنتظر منقذًا من السماء أو فارسًا على جواد أبيض مجنح يحملنا كصاحبات الخدور بين يديه أو على جناحه، أو أنتظر الثالثة وهي أن نتحرك لننقذ أنفسنا، أقف الآن على حافة سفينة مصر الجانحة أنقل لكم صورًا مما فيها.

 (2)

الصورة الأولى: هناك ستمائة شخص، ليس خمسة ولا عشرة ولا خمسين، ولا حتى مائة، بل ستمائة شخص، تجمعوا – في بلد فيه شرطي أو مخبر لكل مواطن وفي بلد لو تجمع فيه عشرة للمعارضة السلمية لعلم أمرهم وقبض عليهم – ستمائة شخص يتجمعون في دولة فيها شرطة، ثم يركبون مركبًا من مدينة ساحلية معروفة وليس من نقطة مجهولة على شاطئ، ثم تتحرك بهم المركب إلى عرض البحر في دولة بها خفر السواحل المشهور.

(3)

الصورة الثانية: يبدأ المركب في الغرق في الساعة الخامسة والنصف صباحًا، ويرسل الركاب مئات من رسائل الاستغاثة إلى ذويهم وإلى آخرين، وهؤلاء يخبرون أجهزة الدولة المعنية، وإذا بأول انتشال يتم في الساعة الثانية عشرة ظهرًا، أي بعد مرور ست ساعات ونصف!

(4)

الصورة الثالثة: موقع غرق المركب يبعد (31.8 كم) [17.2 ميلًا بحريًا (عقدة)] عن قاعدة أبو قير البحرية؛ أكبر القواعد البحرية المصرية والقاعدة الرئيسية للقوات البحرية، فلو أن سفنًا تحركت من القاعدة البحرية بسرعة متوسطة هي 20 عقدة في الساعة، فستصل لموقع الغرق خلال أقل من ساعة، لا نقول تصل في ساعة بل أقل من ساعة، ولكن الذي حدث أن أول إنقاذ تم بعد ست ساعات ونصف، ومن خلال الأهالي أيضًا! أرأيتم كم هي غالية أرواح المصريين!

(5)

الصورة الرابعة: تأكد موت 160 حتى الآن معظمهم من المصريين، وكلهم من البشر! ومع ذلك فلا يوجد أي مظاهر للانزعاج أو الحداد عند الدولة المصرية، ولا أعلن الحداد حتى كإجراء رمزي مخادع، حتى هذه لم تفعلها الحكومة.

(6)

الصورة الخامسة: غرق المركب صباح يوم الأربعاء وتأكد وفاة المئات في نفس اليوم، ورئيس الوزراء – الذي لم يكلف نفسه زيارة الموقع وتفقد أجواء الكارثة ومواساة الأهالي – يدعو لاجتماع (عاجل)، عاجل عنده ليس معناها مساء الأربعاء، ولا الخميس، (عاجل) عنده هو يوم (السبت).

 (7)

الصورة السادسة: ولأن من لم يسرع لنجدة الأحياء حتى تحولوا لجثث لا ينتظر منه أن يهتم بشأن الجثث، فإن الحكومة التي لم ترسل النجدة لإنقاذهم لم ترسل حتى الآن سيارات مجهزة بثلاجات لحفظ الجثث ونقلها، فانتشرت الصور عبر مواقع التواصل توضح الأهالي وهم بالجهود الذاتية يضعون قوالب الثلج في عشوائية فوق الجثث التي في العراء، في صور لا يتصور أن تكون إلا في مجاهل أفريقيا أو في أشد الدول بؤسًا! وتذكرت مقولة (سيتعجب الجان كيف وصلنا لهذا)!

(8)

الصورة السابعة: من كتبت له النجاة من هذه الميتة البشعة وقدر له العيش باقي عمره فاقدًا للابن والزوجة والشقيق أمام ناظريه تم إلقاء القبض عليه والزج به في غياهب السجون عقابًا له على جريمته النكراء، وحتى من يتلقى منهم العلاج يتلقاه وهو مقيد بالأصفاد في أسرّة المستشفيات!

(9)

الصورة الثامنة: صورة من الألبوم، ليست قديمة تمامًا، منذ ثلاثة أعوام ونصف فقط، فقط ثلاثة أعوام ونصف، حيث تعرضت مركب صيد تقل 12 صيادًا للغرق عند ساحل رأس الحكمة، ليس ستمائة إنسان، بل 12، تعالوا نتعرف على الصورة كما نشرتها صحف: الموجز، المصري اليوم، اليوم السابع يوم 8 يناير 2013، والنص لجريدة المصري اليوم:

الرئيس محمد مرسي، يتابع عمليات إنقاذ قارب الصيد الذي تعرض للغرق أمام سواحل مطروح، وعلى متنه من 10 إلى 12 صيادًا… الرئيس مرسي اتصل بكل من وزير الدفاع، ومحافظ مطروح، للتعرف على آخر جهود إنقاذ مجموعة الصيادين الذين كانوا على متن القارب… أمر وزير الدفاع بدفع طائرتين مروحيتين بالإضافة إلى طائرة نقل كبيرة من طراز (سي 130)، إلى جانب تحرك سفينة حربية من قاعدة الإسكندرية البحرية لتنفيذ أعمال البحث والإنقاذ عن طاقم مركب الصيد، وأكد المتحدث أن الطائرات وصلت إلى منطقة الحدث، وقامت بإنزال قاربين مطاطيين مجهزين بوسائل الإعاشة في منطقة غرق السفينة، وتقوم الوحدات حاليًا بجهود البحث والإنقاذ في ظل ظروف جوية وبحرية بالغة الصعوبة، وأنه جارٍ متابعة الموقف من قبل القوات المسلحة.

(10)

سفينة رشيد غرقت وانتهى أمرها، فمن ينقذ سفينة الوطن التي توشك أن تلحق بها؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سفينة
عرض التعليقات
تحميل المزيد