منذ فترة ليست بالبعيدة فجع أهل العاصمة بحرائق هائلة في العتبة والغورية ومناطق أخرى، تلك المناطق التجارية والمكتظة بالمحلات والباعة والمشترين، فهي أسواق شعبية ضخمة يتحرك فيها آلاف الناس وملايين من الجنيهات يوميًّا.

الحرائق أتت على مئات المحلات؛ مما أضاع معه شقى العُمر ومصدر الأرزاق خلاف الضحايا وعشرات المصابين.

ضج الناس المكلومون ولا مجيب لنحيبهم، ثم تمخضت وزارة التضامن الاجتماعي فأعلنت الوزيرة عن صرف 10 آلاف جنيه لأسرة المتوفي، و3 آلاف جنيه للمصاب، وهي العادة التي جرت عليها الحكومة بتقدير قيمة المتوفي في الحوادث والنكبات بجنيهات لا تكفي مصاريف جنازة المتوفي.

في المقابل يطالعنا خبر رصد وزيرة التضامن الاجتماعى لمليون جنيه جائزة مالية للأعمال الدرامية التي تخلو من مشاهد التدخين وتعاطي المخدرات التي سوف تعرض في رمضان القادم.

مليون جنيه يحصل عليه منتجون وممثلون كجائزة، رغم أن هؤلاء يتقاضون الملايين من عملهم بالتمثيل (مليار جنيه تكلفة إنتاج مسلسلات رمضان القادم، منهم 222 مليونًا هي أجور الممثلين)، وهو ليس دور الدولة أصلًا التدخل أو تشجيع الإنتاج الفني، فضلًا عن مكافأتهم، وهنا أيضًا تبطل حجة مكافحة التدخين والمخدرات لأن تلك الأموال لو ذهبت لأنشطة الشباب الرياضية والثقافية لكانت أفضل وتؤتي ثمارها أسرع.

بعملية حسابية بسيطة نجد أن قيمة الجائزة المرصودة لمسلسل وهي المليون جنيه مقسومة على عشرة آلاف جنيه المنصرفة لأسرة المتوفي تساوي مائة، قيمة الجائزة المنتظرة تساوي ثمن مائة من الضحايا، أي أن وزارة التضامن تهدي مسلسلًا ثمن 100 متوفي، أو بطريقة معكوسة 100 مواطن متوفي يساوي عند الحكومة مسلسل رمضاني.

حياة الناس (المسئولة من الدولة في الأساس) لا تساوي شيئًا مقابل مسلسل لا مسئولية للدولة عليه أو له.

هذا هو تقدير وزارة التضامن الاجتماعي ومن خلفها الحكومة لثمن المواطن عند موته فقط، لأن في حياته لا يأخذ المواطن جنيهًا واحدًا من الحكومة التي تطالبه بالتبرع لها، ألم يكن أولى بالمليون جنيه أن يصرف كتعويضات لمنكوبي حرائق العتبة والغورية.

إنه المعنى الحقيقي لنظام الحكم في مصر، والذي لا يشغل بال من نصب نفسه حاكمًا إلا لون السجادة التي يسير عليها والتي يفضلها حمراء بلون الدماء التي يريقها هو، والذي لا يهمه أن يشرب المصريون من مياه الصرف المالج، أو لا يشربون إطلاقًا، أو تأكلهم نار الحريق أو نار الأسعار المرتفعة، كل ذلك لا يهم عند طبيب الفلاسفة.

وزيرة التضامن التي ذهبت ضمن وفد زعيم الانقلاب إلى الأمم المتحدة منذ شهور لتلتقط «السيلفي» وصور رئيسها وهو يروج لأكاذيبه التي لا يصدقها أحد.

تلك الوزيرة التي دأبت على إغلاق مئات الجمعيات الأهلية التي تقدم خدمات لغير القادرين نيابةً عن الدولة، فلا هي تركت للفقراء جمعياتهم، ولا هي أدت حقوق هؤلاء الفقراء المفروضة على الدولة.

دولة تحرق شعبها وقوته وأرزاقه وتكافئ الممثلين والأذرع الإعلامية، إنها الصورة الأبرز لمدى سحق النظام الحاكم لفقراء الشعب وعدم اكتراثه بالمواطن، ولو حتى من قبيل الإنسانية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المواطن, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد