كيف يكون أينشتاين لو كان روائيًا؟ بالطبع سيعتقد البعض أن هذا العقل شديد الذكاء، المليء بالعمليات الحسابية والتوهج والقدرة على ملاحظة ظواهر الطبيعة والقدرة على الربط والثقة لحد أن يصدق أن الأفكار التي تنتابه من ملاحظة صغيرة هي شيء معقول يمكن التفكير فيه. الأساس العلمي البعيد الصعب والتنبؤ الدقيق، ذلك المزيج بين حس المنطق والفلسفة والعقل الباحث في العلوم الطبيعية المهتم بالرياضة بالطبع ليس لديه ما يجعله روائيًّا من حيث المشاعر والقدرة على الحس. هذا ليس صحيحًا بعض الشيء، الرجل يمتلك خيالًا جامحًا يفوق خيال العامة وقدرة على وضع رؤية سليمة تثبت صحتها بعد امتلاك العديد من المعدات ومرور السنوات، وهو جالس بأقل من هذا بكثير قد وضعها، لديه القدرة على النظر للحياة مجردة من القوانين، وإعطاء أبسط تشبيه وأسهل عبارة لغوية وأقوى معنى ويجعلك تفكر لوقت طويل ولا تجد القدرة رغم سهولة الكلمات أن تتابع. ببساطة السهل الممتنع. 

سيتضح هذا حينما نسأل عن أينشتاين الفيلسوف. الرجل يتمتع بحس فلسفي  فهو يقوم على إدراك العالم من خلال الحقائق ومن خلال الحس منفردين ومجتمعين، يبحث في حقيقة الشيء وجوهره، لا يعتمد بعقل راسخ على الحس أو المادية، نجد عنده مرونة حينما ينقد أيضًا هندسة إقليدس والهندسة التقليدية، الرجل ليس ماديًا بشكل جامد، هو لديه مادية الافتراض الخيالية والواقعية، يجعل من العدم شيئًا قابلًا للبرهنة بواسطته وعليه ويحوله لمادة أو غيره متى شاء، نجد فلسفة أرسطو إذا مع هيجل وغيرهم وتقدم، نجد البحث عن حقيقة الشيء والتفرقة بين الحقيقة والظاهر. يعتمد على ترابط الفلسفة والمنطق بالرياضة وترابطهم بالفيزياء ويجد بالعقل المرن الذي ليس ثنائيًا بل متعددًا أن يستخدم المنطق والفلسفة باعتبارها وسيلة للتساؤل وفتح باب وغلقه للبحث في الوجود وما هو موجود وما ليس موجودًا وفي العدم وفي ظواهر الطبيعة وفي الكون وفي المسافة والزمن.

نجد حس الهدم البناء ونقد العقل الخالص راسخًا عنده، أي نجد الفلسفة والمرونة والثقافة التي بلورت الفكر الرياضي الفيزيائي الخارق التعقيد ومنحته مجالًا من الخيال.

بكل هذا أليست طبيعة أينشتاين المصغرة قادرة على أن يكون روائيًا غريبًا يكتب ويبدع، لديه العقل والذكاء والتنبؤ والرؤية والحس والمشاعر والتعقيد والتكثيف.

في كتابه النسبية في حجم صغير يكتب ما بحث عنه لسنوات وما رحل خلفه كتاب وباحثون.

يبدأ بتوضيح تقليدية وقدم الهندسة الإقليدسية ونظرية جالليو  – نيوتن والحالات التي لا تلائمهم يعطي مثالًا ومثالًا، ينتقل لتعريف وتبسيط فكرته ونظريته ثم يعرضها في ضوء بعض القوانين الطبيعية والمفاهيم وينتقل من دليل لدليل ثم يبدأ برباعية الأبعاد وهو الأبعاد الثلاثة مضاف لها الزمن، الزمن الذي وضح أنه ليس منفصلًا عن المكان وارتباطه به والمسافة. يوضح الجاذبية ومشاكلها مع النظرية ومشاكل الكون والفضاء معها وبناء الفضاء وفقها والعالم. ويوضح فكرة سرعة الضوء وتأثير البيئة على جسمان وانتشار الضوء في الفراغ والمجال كالمجال المغناطيسي.

لا يهم أن أشرح نظرية درسها العديد وقرأ عنها وألم بمختصرها فالكتاب يشرح نفسه، وإنما هنا نحن نقوم باستعراض فوق صفحات الكتاب فوق أينشتاين الذي هدم أيضًا جمود الأسلوب الأكاديمي وجعل من أفكاره المعقدة شيئًا مرنًا للغاية.

حينما انتهيت من القراءة قلت لأخي الذي هو مدرس فيزياء باللغة الإنجليزية إنني لا أصدق رغم فهمي للكتاب معقولية تلك الأفكار ونتائجها. الأفكار لدى أينشتاين النابعة من العلم وذكائه فاقت ما أرسته الفلسفة لسنوات لا طائل لها وتحدت المنطق البشري المبسط ولما كانت الفيزياء والفلسفة والمنطق مرتبطين والأسباب تحتاج مقالًا آخر، إلا إنها قد فتحت مجالًا آخر ولم تغير  العالم وحده ولا العلوم الطبيعية بل غيرت في الفكر الوجودي والمادي والعدمي والمنطق والأدبي أيضًا، حيث تغلبت على جمود كل منهم وفتحت مجال تساؤل أضخم وجعلت بنية الاستدلال والتفكير تقوم على منحنى أعلى في قوته وصعوبته لنصل معهم لمفاهيم وبحث لا ينتهي يكثر الكلام عن ما أدت له في بداياته.

أصبحت الفلسفة والعلوم تقوم على العدم وتتحرك للوجود وللنظرية وللمفاهيم المحسوسة غير المرئية دون الوقوف عند احتمال اللامعقولية.

لقد قام باستخدام  المعقول في البرهنة وجعل كل من يقول إن ذلك لا معقول يبهت في وجود الدليل، وبوجود بعد سنوات البرهان العملي صار هناك أزمة، كيف انك لا تقوى على تخيل شيء لأنه يفوق معرفة أسلافك أن يكون حقيقة قوية ونظرية يبني عليها وآفاق تفتح بواسطتها؟

لقد قام بالتعبير عن أزمة فلسفية لنا فيها حديث قريب في مقال آخر وهي صدمة العقل والمنطق مجردين والإنسان بالعلم والتقدم والتكنولوجيا، صدمة التحول وثبات المعتقدات وثبات الأفكار وبهتان الجنون.

صدمة الإنسان بالتطور وصدمة إنسان متأخر مائة سنة بالقرن الذي يعيش فيه.

رغم إن ذلك الكتاب علمي وأنا لست من ذوي العلم الطبيعي لكن لارتباط الفلسفة بالعلم، يمكنني الحديث من مقال الفلسفة والحداثة والقضايا الفكرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات