«البشرية تمر بمرحلة مراهقة خطيرة كلفتنا كثيرًا، ولا نعرف مستقبل هذه المرحلة المعقدة، لكننا نعرف أننا مخطئون!».

بدأ الإنسان العاقل خطواته الأولى مثل أي رضيع له طلب واحد يعيش من أجله، وهو أن يبقى على قيد الحياة، كل ما يريده هو أن يأكل ويشرب ويتكاثر، إنها الغريزة الطبيعية في أي كائن حي.

كل طفل رضيع نراه أمامنا يريد أن يعيش دون أن يعرف السبب «لو كان يعلم ربما انقرض جنسنا البشري»، وهكذا كان الإنسان القديم يعيش دون أن يعلم سر خلقة وأسرار الكون ولا يعنيه هذا كله.

فقط التجربة وارتكاب الأخطاء هي أسباب قدرته على البقاء، أراد أن يأكل فبدأ بتجاربه وارتكابه للأخطاء ليتعلم من كل لحظه عاشها أو شاهدها وقد كلفته بعض الأخطاء خسارة الكثير ومنها حياته.

هذا الإنسان البدائي استطاع أن يطور من قدرات عقله بعد كثير من التجارب المتراكمة والمتوارثة من جيل إلى جيل، وعلى مر آلاف السنين خرج لمرحلة أكثر تعقيدًا ليصبح مثل أي طفل نراه يحب المرح ويملك الخيال، وأحيانًا القوة ليكون الأفضل، استطاع العقل تطوير نفسه بطريقة استثنائية فربط عقله الداخلي «أنا» مع عقله الخارجي «المعلومات» فانطلق خياله إلى أبعد مدى.

المخ البشري ينقسم إلى قسمين

المخ الأيمن: وهو المسئول عن المعلومات الحسية واستيعاب الصور والحركة والحواس جميعها.

المخ الأيسر: هذا القسم يفكر بطريقة منهجية يربط بين الماضي والمستقبل، حيث يطلب المعلومات من المخ الأيمن ويقارن بين التجارب الماضية ثم يتوقع المستقبل لهذه المعلومات.

قدرة التوقع التي حدثت هي النقلة الكبرى لعقل الإنسان فهو الآن لا يحتاج تجربة أشياء يمكنه توقع نتائجها التي تعبر عن فشل أو عدم النجاح المطلوب، وفي الوقت نفسه يستطيع توقع نجاح تجربة قبل البدء فيها فهو يستطيع التخيل «إنها أساس للهندسة».

هو الآن يستطيع وضع خطة لاصطياد غزال وصنع المستلزمات وتحديد الموقع المناسب والفريق المناسب لتتم هذه العملية بنجاح وتطبيقها، وكل هذا فقط بالتخطيط دون أن يجرب ويفشل.

«لقد استحضر الماضي وربطه مع الحاضر وتخيل المستقبل».

النجاح ليس الحليف دائمًا، ولكنها نقله نوعيه بالنسبة للإنسان كي يخطط ويهندس ليبني ويزرع ويحصد ويصبح أكثر قدرة على التفكير المنطقي.

أي شخص الآن يستطيع أن يتخيل طعم الشاي مع الملح أو طعم البيض مع السكر، لن تتذوق هذا الطعام لأنك تعرف مسبقـًا أنه لا يناسب لمذاقك حتى دون تجربة مسبقة.

قدرة التوقع جعلت من هذا الإنسان أكثر خيالًا ونجاحًا بتجاربه الجديدة واستطاع التعلم والتقدم بشكل سريع، فبدأ باكتشاف طرق جديدة لمستلزمات حياته اليومية لتصبح حياته أكثر حيوية ليبدأ بالبحث عن ألغاز لم يكن يراها أصلًا، وبدأ بالبحث عن الذات وأسباب الوجود وأسباب حدوث الأشياء الخارجة عن سيطرته ومحاولة فهم هذه الألغاز.

رأى الإنسان النجوم والشمس والقمر والكوارث الطبيعية وحاول تحليل هذه الظواهر وإيجاد حلول منطقية أو حتى غير منطقية ومسببات لها، حاول تفسيرها بكل طاقاته العقلية واستطاع أن يسخر بعضًا من قوى هذه الطبيعة من حوله لتساعده لحل مشاكل يومية، سخر الشمس والقمر للسفر والترحال وعد الأيام وجعل للنار وظائف عديدة، واستفاد من المطر بأقصى الحدود.

«حتى الآن حياة جميلة طفولية مليئة بالاكتشافات البسيطة».

يخرج الإنسان من طفولته البريئة ليصطدم بمرحلة معقدة يلتقي فيها الشر والخير وتكون الكفة الراجحة للشر!

مرحلة المراهقة لا نستطيع السيطرة عليها حتى ولو كانت الطفولة مليئة بالخير، في هذه المرحلة استطاع الإنسان الحصول على أدوات كثيرة أنتجها وطورها على مر العصور:

1- أدوات واختراعات

أبقته على قيد الحياة وهي أقدم ما اكتشف البشر فاستطاع بها الحصول على أساسيات العيش والرفاهية والدفاع عن النفس.

2- معلومات وتجارب

معلومات أساسية وتجارب توارثها وتطورت من جيل إلى آخر لتساعده بإتقان واختراع أدوات يحتاجها ليتقدم ويتأقلم أكثر.

3- أفكار ومعتقدات

هي آخر ما توصل له العقل البشري ولكنها الأكثر تعقيدًا فالنقاط التي ذكرت سابقـًا استفاد منها كل البشر وكلهم بحاجة لها، أما الأفكار والمعتقدات تقرر طريقة استخدام الأدوات والمعلومات التي هي الآن بحوزة هذا الإنسان الذي يمر بمرحلة خطرة ما بين الطفولة والرشد.

هذا المراهق يريد تطبيق أفكاره ومعتقداته، وهذه ليست مشكلة بل هذا أحد حقوقه، لكن المشكلة الكبرى أن هذا الإنسان يريد تطبيق أفكاره على غيره من البشر حتى لو استدعى الأمر توظيف كل الأدوات والمعلومات التي توارثها منذ آلاف السنين لتطبيق أفكاره ومعتقداته.

نحن نمر بمرحلة مراهقة خطيرة كلفتنا كثيرًا ولا نعرف المستقبل الذي سيواجهنا لكننا نعرف أننا مخطئون، نحن لا نريد الاعتراف بمشاكلنا مثل أي شاب مراهق يخطئ ولا يريد الاعتراف بهذا الخطأ.

أخيرًا أتمنى أن نعبر هذه المرحلة التي كلفتنا كثيرًا وستكلفنا أكثر، ونتمكن من الوصول إلى مرحلة الرشد، علينا أن نتقدم بفكرنا لنستطيع عبور هذه المرحلة وإلا لن نعبر أبدًا، وفي هذه الحالة لن نبقى مراهقين بل سنكون في عداد المنقرضين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد