الجونة مدينة جميلة، ساحرة، جذابة، لا شك أنها تسر الناظرين! هذه المدينة الساحرة التي تبعد عن القاهرة كيلومترات تستضيف مهرجانًا سينمائيًا عريقًا ومتميزًا حق الكلمة؛ إذ يضم المهرجان في نسخته الحالية Second edition عددًا من الأفلام السينمائية والعربية الروائية والوثائقية العالمية والشهيرة، ولعل فكرة إنشاء مدينة الجونة ولدت منذ 30 عامًا من الزمن في عقل سميح باشا ساويرس، وخاصة أخوه نجيب، حقًا.. إن مدينة الجونة أفضل وأرق ما قدمته لنا عائلة ساويرس إلى الأبد.

ويعد مهرجان الجونة السينمائي في رأيي مهرجانا مصريًا خالصًا وشيقًا حق الكلمة، ويعبر عن حضارة مصرية عريقة ذات مضمون وهدف لأجدادنا السابقين؛ إذ يعبر عن روح الفن الذي بداخلنا منذ قديم الأزل، ولعل من قارئ يتذكر تلك الأحداث الجسام التي حدثت في بلدنا منذ أن وجدت، ولعل أبرزها تحطيم تماثيل وتذكارات لشخصيات سياسية واقتصادية، ولكن من المبهر أنهم لم يحطموا تمثالًا ولا تذكارًا واحدًا لواحد من الفنانين والأدباء والمثقفين، نعم.. إنه أمر يبهر ذوي الحس الفني الراقي والمتحضر الأبدي!

ولو ذهبت إلى الجونة في رحلة ترفيهية أو سياحية لتصطاف، لابد أنك ستقضي وقتًا لا شك ممتعًا، واختيار مدينة الجونة كأفضل مدينة في العالم في الآونة الأخيرة أمر يسرنا نحن جميعًا.. نحن المصريين.. نحن بناء الحضارة والتقدم، ولكن المدينة – للأسف – ليست من واقع مصري صميم، لم تكن من مدنها المعروفة كشرم الشيخ وهكذا، ولكنها إلى حد كبير خاصة يتملك مقاليدها عائلة ساويرس، ولكن لا نبالي سوى بجمالها وتقدمها وتحضر معالمها، وأكرر للوهلة الثانية، إنها مدينة بالفعل ساحرة جذابة.

الجونة فيلم فستيفال (GFF).. مهرجان مصري خالص!

وأعود إلى داخل مهرجاننا السينمائي، فأجد أنه ذو وجهة متميزة تمامًا في صنع صورة مشرفة لمصر إلى جانب مهرجاننا القومي الثاني مهرجان القاهرة السينمائي الذي قدمت نسخه لأكثر من 40 عامًا، منذ أول نسخة (النسخة الأولى) التي أقيمت في دار الأوبرا المصرية، الأمر الذي يخلق روحانية فنية متميزة، وأعود مجددًا إلى مهرجان الجونة؛ إذ نجده جميعًا منظم تنظيمًا دقيقًا من أمن وحراسة وتفوق في أداء مديرية وصناعة تمامًا، وحذق ومهنية من قبل لجان التحكيم في مسابقات الأفلام السينمائية والوثائقية الموجودة به! ولعل أعظم ما عرض به فيلم (يوم الدين)، ولو نظرنا في أغنيته الرسمية نجد أنها تدعو إلى الاهتمام بالفن والتقدم الحضاري لما يفيد بلادنا، أو بمعنى آخر: إنه يساعد في بناء جزء كبير منها دون اقتصادها وسياستها المختلفة، أو بلغة أخرى (بيبني فيها شوية أحسن من مفيش)، ولعل المهرجان معروف بأنه لا يناقش ولا يسابق سوى الأفلام السينمائية العابرة والمعبرة فقط، وهذا شيء نقف له احترامًا، إذ إن السينما فن وثقافة، وهو ما يقوله حبيبنا ومخرج روائع السينما حسين كمال مخرج (ثرثرة فوق النيل) عندنا سأل: (تعمل فيلم هابط وتأخذ فلوس؟ ولا تعمل فيلم محترم مقابل لا شيء؟)، فرد مخرج الروائع: الثقافة والهلس لا يمكن يجتمعوا أبدًا! فالفن فن، و(الهلس هلس)، نعم.. أقصد بذلك مهرجان الجونة، مهرجان الفن.

العالم جونة أغنية ورسالة

ونأتي إلى حفل افتتاح المهرجان، فنرى أنه غريب حقًا! إذ إن المهرجانات عامة تفتح غالبًا بموسيقى تصويرية لفيلم سينمائي ما ناجح أو مرشح، أو أوركسترا، أو عزف بيانو جميل وقعه على الأذن، ولكن الغريب أن يفتتح بأغنية أعدت خصيصًا لذلك الأمر، ففي نسخته الأولى عرضت أغنية ثلاث دقات الجميلة، وفي نسخته الثانية أفتتح لأغنية العالم جونة، وبالفعل العالم جونة، العالم مصر، وليس العكس!، والأغنية معبرة عن حال الفن ومبدعيه؛ إذ ظهرت فيه الفنانة الكبيرة يسرا، والجميل تامر حبيب، والفنانة جميلة عوض، وشريف منير، والبشرى الأكبر لنا الفنانة بشرى، والأغنية عامة من حيث إخراجها، فهي جميلة وضعت فيها لمسات التصوير السينمائي، وما بها من أماكن التصوير جذابة داخل الجونة الساحرة، وكلماتها معبرة وخاصة (مجانين مجانين بس نعيش)، و(العالم جونة)، باختصار (أغنية عظيمة).

كلمة حق

ونأتي إلى موضوع آخر، وهو عدم دعوة بعض الفنانين في المهرجان؛ الأمر الذي أثار حزنهم، وقد كتب الفنان أحمد فتحي عبر حسابه الرسمي: (يا عم ساويرس ممكن أعرف إيه سبب عدم دعوتي في المهرجان؟ وأنا جاهز.. عندي البدلة ومعايا كرشي الكبير! الأمر ليس هكذا فقط، بل هناك بعض الفنانين تم دعوتهم، ورفضوا إياها لانشغالهم بتصوير أو سفر ما، وهناك البعض الآخر تم تجاهلهم، مع العلم بأن الفن واحد! والهدف واحد! ولكن لعل أمر ما هو السبب! وكما ذكرت الفنانة بشرى أن عدد المقاعد في المقام الأول لأصحاب الأفلام المشاركة، والعدد من جماهير المهرجان كبير أيضًا! وفي كل حال أكرر أن الفنان له مقامه حتى ولو شارك بضيافة الشرف، أو بمشهد واحد، وفي كل حال قد ساهم في تقدم الفن! ونتمنى من إدارة مهرجاننا المصري الحضاري الخالص تفادي مثل هذه الأمور في القادم من المرات.

الفن حياة!

وأخيرًا.. أود كتابة جملة طبقتها على نفسي، فوجدت أنها صحيحة تمام الصحة! وأوجهها بعينها إلى من يكفرون الفن والسينما.. إذا أردت معرفة الحياة فاقرأ، وإذا أردت أن تعيشها فشاهد السينما.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سينما
عرض التعليقات