من المعلوم أن نيّة الفرد واعتقاده هو عملٌ قلبيٌّ حبيسُ صدر صاحبه، عملٌ بين العبد وربّه فلا يجوز لبشريٍّ ادّعاء معرفة ما في الصّدور، أو إصدار حُكمًا لما يحمل هذا القلب من معتقد.

كما لا يجوز لأحدٍ تعيين نفسه رقيبًا على ما في النُّفوس، فيُنكر على صاحبها أفكارًا ويُثبت أخرى، فيبطش بصاحبِ المنكَر ويترصّد له ويُرغمه عنوةً على تبنّي أفكارًا أخرى تروق له.

ويتناول المقال نموذجين من نماذج ممارسة السُّلطة على الفِكرِ والمُعتَقد، التي دارت أحداثُها قديمًا بتاريخنا العربي الإسلامي.

مأساة الحلّاج

 

اعلموا أن الله قد أباح لكم دمي، فاقتلوني. اقتلوني تُؤجروا واسترح

كانت تلك صرخة الحلاج عندما ضُيّق عليه الخناق، وطُلّقت منه زوجته، ثم اتُّهم بالكُفر وعُذِّب بكل نوعٍ وصنفٍ من صنوف العذاب؛ فقد سُجن وضُرب بالسوط وقُطّعت يداه وقدماه، ثم صُلب بباب خراسان وذُبِح وأُحرِقت جثّته، ونُثِرَ رماده في الهواء!

كانت فلسفته وآراؤه قد جعلت الكثير من الشكوك والظُّنون تحوم حول شخصه وحول معتقده، ولعلَّ تشبيهاته ورموزه التي استعملها في أشعاره، ورأي البعض فيه أنه كان مخدومًا من الجن، وحِيله في خداع الناس – كما ذكر ابن الجوزيّ – ومعتقده الفلسفيّ الذي جعله يتلّون ويتعامل مع كل طائفة وإن كانوا كفرة، لعلَّ ذلك كان كافيًا جدًا للثورة عليه والنيل منه.

ومما رُوي عن فساد عقيدته، قوله في مبتدأ كتاب له: «من الرحمن الرحيم إلى فلان بن فلان»، فأنكر الناس عليه ذلك وكتبوا له: «كنت تدّعي النبوة فصرت تدّعي الألوهية والربوبية!»، فردّ عليهم بأسلوبه وكلماته التي تُوصف بأنّها حمّالة أوجه: «هل الكاتب إلّا الله، وأنا واليد آلة!».

وإن تأكدنا من كُفره ورسخت في الأذهان هرطقته، أيستحقُّ الشّيخ ما فُعل به؟

يجب ألّا ننسى أنه قُتل في عهد الخليفة العباسي المقتدر، الذي أُوكلت له شئون البلاد وهو بالثالثة عشر، ولم يكن إلا خليفة صغير السن طائشًا، أمّه هي من تتولّى تسيير أمور البلاد وتعيين وعزل من تشاء وتختار من الوزراء.

مات الحلّاج عام 359 هجريّا، ومازال الجدل قائمًا حول معتقده؛ أهو ولي من أولياء الله، أم كافرٌ زنديقٌ عليه من الله ما يستحق؟

محنة أحمد بن حنبل

ولد عام 164 هجريًا بمدينة بغداد التي كانت زاخرة أيّامها بالمعارف، ومليئة بالعلماء والفلاسفة والحكماء. كان حادَّ الذكاء، قويَّ الذَّاكرة، سريعَ الفهم والحفظ؛ لذا بدأ بطلب الحديث وهو بسنٍ صغيرة.

ولكن العجيب أن هذا العالِم الجليل الذي قال فيه الشافعي: «خرجت من بغداد وما خلفت بها أحدًا أورع ولا أتقى ولا أفقه من أحمد بن حنبل»، قد رُمي بالكفر واتُّهم بأنه هرطوقيٌّ زنديقٌ مرتدٌّ!

ومحنته قد حدثت بسبب ما عُرف بـ«فتنة خلق القرآن»، التي قامت في عهد الخليفة العبّاسي المأمون ثُمَّ المعتصم والواثق، ثُمَّ جاء المتوكل وأنهى عليها.

ومُلخّص هذه الفتنة؛ هو قول المعتزلة أن القرآن مخلوقٌ مستحدثٌ من عند الله؛ لأنَّه نزل باللُّغة العربيّة وهي لُغة مستحدثة، وليس قديمًا أزليّا كقِدَمِ الله تعالى.

وكان الخلفية المأمون قد جعل جُلَّ حاشيته من المعتزلة، الذين قد ملئوا عقولهم بدراساتٍ متعددة وعُرفوا بأسلوبهم العقلاني الفلسفي في طرح أفكارهم؛ فاقتنع المأمون برأيهم، وهو رأيٌ خالفه أئمة السلف آنذاك.

وبناءً على ما تقدّم، فقد اعتُبر من لم يأخذ برأي الخليفة والمعتزلة، هو بذلك قد أسقط أصل من أصول الدين؛ فتم استدعاء العلماء وسؤالهم عن رأيهم في خلق القرآن، وكان ممّن خالفوا رأي الخليفة هو ابن حنبل.

قُيّد الشيخ الستينيّ بالسلاسل والأغلال، وحُمل من طرسوس إلى بغداد، ورُغْمَ وفاة الخليفة المأمون إلا أن المحنة لم تنته؛ فالمعتصم لم يختلف عن المأمون كثيرًا.

ظل ابن حنبل حبيسًا ما يقربُ من سنتين ونصف، كان يُعلّق بين السماء والأرض يُضرب ويُجلد إلى أن يفقد وعيه، وقد تناقل المؤرِّخون مقولة إنّه كان يُجلد بالسّوط إلى أن يُقطع جلد بطنه وتتدلّى أمعاؤه وسط صيحات فقهاء السلطان بأنه كافرٌ حلالٌ دمه!

ولمّا استيأسوا منه، خلصوا إلى إطلاق سراحه، فعاش ما تبقّى من حياته عليلًا مخلوع الكتفين إلى أن مات عام 241 هجريًا.

هذا غيضٌ من فيض؛ فمجرى التّاريخ يفيضُ بأولئك الذي نصّبوا أنفسهم قضاة يشقّون قلوب البشر، ويعثون في الأرض تخريبًا وتقتيلًا وتعذيبًا.

قومٌ أذاقوا عبادَ الله أوجاعًا وويلاتٍ باسم الله!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد