ألممت بجزء كبير من فكر الكوني من خلال كتابيّ نصوص قرأتهم له قبل هذا: «الناموس» و«صحرائي الكبرى»، فكانت هذه الرواية هي مزيج مميز بين أفكاره وبعضها، فطوّعها لخدمة أفكاره بطريقة مميزة.

يقول الكوني: هناك ثلاثة أشياء تفسد البشر وتهلكهم: الثروة، السلطة، المرأة.

في هذه الرواية يرسم الكوني نتاج مفسدتين دون الثالثة: الثروة والمرأة. عن الثروة يقول: إن الثروة تقتل الروح، وأينما حل التبر فسدت النفوس، الذهب لعنة البشر، في قديم الزمن ساواه الأجداد بالتراب، ونبذوه، وعندما انبهر بلمعانه البعض ورفعوا قيمته تسلّط واستعبدهم.

نجد في هذه الرواية أن جزءًا من المأساة سببه الثروة، سلطة الغريب على المال وتحكمه به فأغرى «أوخيّد» بطل الرواية وسلب منه أعز ما لديه، جمله الأبلق، في مقابل جملين ذبح أحدهما وشغّل الآخر في الحرث ليسد جوعه، ولكي يسترجع الجمل سيقايضه بطلاق امرأته التي يحبها، ثم قيل عن البطل أنه قايض امرأته بالتبر، فار دمه واقتص ممن أعطاه التبر، وفي النهاية سعى وراءه المقتصِّين طمعًا في الثروة لا حبًا في المتوفى.

عن المرأة فقد قال إبراهيم الكوني الكثير، حوالي ثلث نصوصه – أو أكثر – ذم في المرأة، قال إنها سبب نزولنا من الجنة، شببها بالأفعى، بالموت، قال إنها نقيض الحرية، أنها جاذبيتها لها مفعول السحر على الرجل، ما أن تدركها الشيخوخة حتى يبطل السحر.

هنا، نجد أن المرأة هي أصل المأساة. المرأة كانت السبب في خصي الجمل الأبلق. المرأة التي أحبها البطل كانت السبب في تبرؤ والده منه، ثم هجره لقبيلته وانقطاع صلته بهم مما جعلهم لا ينجدوه عندما كاد له البعض، وبعدها كانت السبب في نزع حريته منه لأنهم تركوا الصحراء وسكنوا الواحات، والواحة في نظر الكوني نقيض الحرية ومن أكبر المفاسد. ثم كانت المرأة شريكًا في إنجاب قيد آخر، وهو الولد، وفي سبيل إسكات جوع الزوجة وإلحاحها ونظرة الاحتقار له، ولكي يُسكت بكاء ابنه، رهن جمله الأعز، ثم كانت هي السبب في سوء سمعته حين قيل أنه قايضها بالتبر وليس بالجمل.

أما عن الجمل «الأبلق»، صديق «أوخيّد» بطل الرواية، فلا يقل أهمية وتأثيرًا في الرواية عن أوخيّد ذاته، فهو محرك للرواية ومشارك في مسار أحداثها بشكل كبير.

يؤمن الكوني بما قالته العرب عن المستحيلات الثلاث، الغول والعنقاء والخل الوفي، يؤمن باستحالة وجود الخلّ الوفي أكثر من الاثنين الآخرين، فكان الخلّ في هذه الرواية هو الجمل وليس الإنسان، الجمل الذي كان شريكًا في بطولة الرواية، بل يمكن القول أن الاثنين واحد، الجمل يشعر بصديقه الإنسان وينقذه، والإنسان يبيع كل شيء في سبيل جمله «الأبلق»، لكن ما زالت أي صحبة تجلب الخراب، حتى إن كان جملًا، هكذا تكلم الكوني «لا تودِع قلبك في مكان غير السماء»، وبهذا يعرض الكوني جانبًا آخر من فكره وهو الجانب الحدسي، وسعيه للمعرفة في الصحراء، الفردوس المفقود.

الكوني ليس من الشخصيات الفريدة في مجال الرواية الذين يمكن لنا أن نقول عنهم مجددين، لكنه فريد فكريًا، بل أكثر العرب المعاصرين أصالة في الفكر، يستطيع نثر أفكاره وتطويع الرواية بحرفية، وبأسلوب شاعري جذّاب يتعمق في التفاصيل الصغيرة دون أن تشعر بأي ملل يُذكر، وهذا بسبب قفزه بالسرد متنقلًا بين الأحداث بسلاسة، فالرواية عنده ليست مليئة بالأحداث قدر ما هي مليئة بالتفاصيل والمشاعر.

الكوني يفلسف الصحراء لا يكتب عنها فقط، في نصوصه الأخرى ومقالاته تجد أن هذا رجل فهم الصحراء وأحبّها، وتأتي الصحراء عنده كمرادف للحرية، هي جنة الله في الأرض، وأنها السبيل الوحيد للاطّلاع على ما بعد الموت وأنت حيّ، نرى الصحراء هنا بوجهيها، الحميم والجحيم.

يصوّر الكوني حالات الصحراء والإنسان، ودواخل الاثنين، بشكل عظيم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد