ها هو البرادعي ينزلُ من عليائه ليتحدث إلينا نحن جموع الشعب الذي يبدو أنه تفاجأ بتصنيف البرادعي له بين الجاهل والأفاق والزبالة. ‏

الرجل الذي شغل منصبًا اعتباريًا كونه أذكى إخوانه؛ فهو الذي يجيد التحدث بالإنجليزية، وهو الذي يعرفُ كيف يصوغ جملاً ‏ضاربة في عمق الدهليز، وهو الذي جاء محمولاً على الأعناق ليُتوجَ رمزًا وأيقونة لثورةٍ  كنتُ وما زلتُ أؤمن أنه أول من خذلوها‏. ‏

الحق أنه بميزان الصحافة؛ فما قام به الزملاء في التلفزيون العربي  يُعد سبقًا صحفيًا كبيرًا، وفي ظروفٍ أخرى كانت القناة لتحصل على أعلى مشاهداتها، لولا أن نظامًا بكامله فرغ طباليه وكتائبه الإليكترونية والإعلامية للتشويش على المقابلة. ‏

ولكني، وعن خبرةٍ شخصيةٍ، أعرفُ أن الجميعَ بما فيهم قناتي التي أعملُ بها يطلبون من الدكتور البرادعي أن يحل عليهم ضيفـًا ‏للنقاش، ولو سألت كل صحافي عمل على المشهد المصري أو اهتم به يومًا، مهما كانت جنسيته، فستجده مهتمًا بمقابلة البرادعي نائب رئيس الجمهورية بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح بأول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر الحديث، ولكن البرادعي، الذي نادرًا ما يقبل، قبل هذه المرة؛ فهنيئًا للزملاء. ‏

 

ولكن، وأتمنى أن يكون ذلك استباقـًا غير صحيحٍ للأمور، فنحن لم نشاهد سوى ساعة واحدة -‏لم نخرج فيها بشيء يمكن أن نُعول عليه فقط من أصل خمس ساعات-‏ سيتحدث فيها البرادعي، ولن يستطيع الفرار أو الاختباء لا هو ولا مُضيفه من أسئلة المشهد المصري العصية على الكذب، أو لنقل‏ التجمل؛ فمزيدٌ من الصبر والأمنيات أن يكون الزملاء قد حصلوا على إجاباتٍ شافية، ولا أقل من اعتذارٍ واضح وإعلانٍ لا مراوغةً فيه بمسؤولية البرادعي التشاركية عن الدماء التي أريقت في مصر منذ انقلاب الثالث من يوليو وحده قد يجعل هذه المقابلة صحفيًا لها ما بعدها. ‏

 

أما على الجانب الآخر؛ فإن مشهد مقدم البرنامج الذي خرج بالأمس ليذيع تسريبات محادثاتٍ هاتفية لا يمكن أن يكون لها مصدرٌ آخر سوى أجهزة الدولة السيادية، ولا يمكن أن تكون قد أُذيعت دون موافقةٍ منها؛ لكونها شملت واحدًا من كبارِ القادة العسكريين‏ وأحد الشركاء الأساسيين في التاريخ السياسي لمصر منذ اندلاع ثورة  الخامس والعشرين من يناير، لم يذكرني في الحقيقة سوى بالدور الذي لعبته الممثلة عبلة كامل في أحد أفلامها تحت اسم خالتي فرنسا، والتي كانت كما عرفت نفسها في الفيلم تعمل «شرشوحة»، وللإخوة العرب والمصريين الذين لا يعرفون معنى مفردة «شرشوحة» فهي سيدة يستأجرها شخصُ آخر لشتم شخص ثالث وفضحه وتشويهه للثأر منه؛ فمثلاً في الفيلم عندما كان أحدهم يتزوج للمرة الثانية استأجرت زوجته الأولى مجموعة من‏ «الشراشيح» بقيادة خالتي فرنسا ليذهبوا إلى العرسُ ويسبوا ويشتموا ويهينوا العروس وزوجها المصون وليفضحوهم أمام معازيم الفرح.‏

 

هكذا يُعاملُ النظام مصر بمنطق الشراشيح والفضيحة، ومن وجهة نظري البسيطة التي أصوغها بناءً على سنوات دراسة السياسة ثم العمل في مجال حقوق الإنسان الذي دخلت من بابه للصحافة؛ فإن ما قام به السيد أحمد موسى ومن ورائه من أجهزة النظام لا يمكن أن يتجاوز بأي حال من الأحوال سلوكـًا رخيصًا ناتجًا عن خوفٍ  وعدم احترام لا للمهنة ولا لمصر ولا للمصريين ‏ولا حتى لأنفسهم، ولا أعرف إن كان لديهم ما يكفي من التسريبات للتشويش على الساعات الأربع القادمة أم لا. ‏

 

ويبقى أن أقول إنني لا أتوقع للبرادعي أن يخرج منتصرًا من هذه المعركة، أو أن ينجح في غسل الدماء التي على يديه؛ فعلى الرغم من اعترافنا جميعًا بقذارة فعل التسريبات، إلا أننا ودون أي قصدٍ سنُفكرُ ونركبُ الصور على الكلمات والمواقف، وسيتذكر كل‏ منا موقفًا أراده من البرادعي ولم يفعله، كلمةً قالها البرادعي ولم يلتزم بها، ليس لكوننا نكره الرجل، ولكن لأنه لم يحبنا كمصريين «أفاقين ومتخلفين وزبالات».‏

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات