ظروف عملي تضطرني يوميا لاستخدام المترو في التنقل من وإلى العمل، وأرى فيه – كغيري من المصريين – العجب العجاب من السلوكيات والشخصيات التي تعكس الواقع المصري بلا تجمل أو تكلف.

يتردد على مسامعي كثير انتقادات كبار السن لأفكار الشباب الذين يسعون للتغيير ويحملونهم مسئولية تردي أوضاع البلاد الاقتصادية والسياسية والأمنية وغيرها، ويكررون في مجالسهم وجهات نظر غارقة في المثالية والوطنية، لا يملون خلالها من قول: إن الشباب هم من أفسدوا البلاد؛ بمعارضتهم للأنظمة السياسية، وعدم إتاحة الفرصة أمام السلطات للعمل في سبيل رقي البلاد ونهضتها، بعكس ما يصفون به أنفسهم من الوطنية والحفاظ على النظام.

أما ما أراه يوميا من سلوكيات الكثير من كبار السن في المترو فهو عكس ما يقولونه وينصحوننا به، مما جعلني أشعر بأن حبهم للبلاد ووطنيتهم التي صدعونا بها أمر مبالغ فيه، وأن حكمتهم ومثاليتهم أمر يتظاهرون به فقط أمام الشباب، ثم تظهر حقيقة أفكارهم وتصوراتهم عن الحياة عند أصغر اختبار لهم في تفاصيل الحياة اليومية، مثل تصرفاتهم عند ركوبهم المترو، واسمحوا لي أن أحكي لكم موقفين عن ذلك:

 

الموقف الأول:

عند نزولي إلى محطة المترو يوميا أتوجه إلي شباك التذاكر الذي غالبا ما يكون مزدحما، وأرى الكثير من الشباب يحترمون الطابور، لكن الغريب هو ما أراه من تصرفات بعض كبار السن من عدم احترامهم للنظام ويتسابقون لقطع تذكرة للمترو، دون أي مراعاة لشعور من يحترمون النظام.

يبدو أن كلمة “النظام” لا يعرف عنها كبار السن، سوى أنها “النظام السياسي” الذي يحكم البلاد ويجب أن نحترمه، حتى وإن ارتكب جرائم بحق معارضيه أو بحق الشباب الذي يريد أن يبني مستقبله على أساس من الحرية والعدالة والتقدم.

وفي أحد الأيام قررت أن أواجه من يفعل ذلك وأظهر لهم الازدواجية التي يعيشون بها، وأثناء وقوفي في طابور التذاكر، فوجئ الجميع برجل قارب الستين عاما يتجاوز الطابور من ناحية اليمين، ويقوم بشراء تذكرة دون أي احترام لمن يقفون من قبله، الأمر الذي استفزني وكثيرا من الحضور حتى صرخت في وجهه بقولي: “مش عايزين مصر تبقي أم الدنيا وقد الدنيا.. احترم النظام واستنى دورك” وكان رده في منتهى الاستفزاز عندما قال لي: “هي جت عليا أنا يعني ما هي مصر كلها ماشية غلط”!

وبعد أن قال لي هذه الجملة المستفزة أعطى لي ظهره ورحل؛ كي يلحق بالمترو، ووصل إلى المحطة، ولحق به، بينما لم ألحق أنا به بعدما أخذ دوري وقطع تذكرة قبلي، وأثناء مروره من جانبي شاهدت ميدالية كبيرة تخرج من جيبه مكتوبا عليها “ربنا يحفظ مصر من الإرهاب” مما يؤكد أنه من مؤيدي نظام السيسي.

لا يهمني الرأي السياسي للرجل، ولكن يزعجني هذا الاختلال النفسي، والتناقض الحاد بين ما يقولونه وما يفعلونه، كما تضرني أيضا النصائح التي يوجعون بها آذاننا يوميا بأن نهدأ ونترك البلد كي تنهض وأن نحترم “النظام”، بينما هم أول من يهدم البلد بأفعالهم وسلوكياتهم الهمجية، حتى وإن كانت صغيرة.

 

الموقف الثاني:

في أحد الأيام كنت أتوجه إلى بوابات المترو الإلكترونية؛ كي أدخل التذكرة بالماكينة وأعبر إلى الرصيف، وأثناء دخولي فوجئت برجل عمره يقترب من الخمسين عاما يمسك بالبوابة الإلكترونية بعد أن عبرتها؛ كي يدخل من ورائي دون أن يُدخل تذكرة في الماكينة, والأعجب من ذلك هو عدم تحرك أحد من أفراد أمن المترو أو أفراد الشرطة المتواجدين بكثرة، ولا يقومون بشيء إلا بتفتيش من يشتبهون فيه فقط، ولا يهتمون بإقرار النظام داخل المترو، فما كان مني إلا أن قلت له: “اللي بتعمله ده غلط، ومينفعش تعدي ورايا ولازم تقطع تذكرة!”

فما كان منه إلا رد بكل بجاحة: “وانت مالك ياض ولا عايزني أحبسك!” فكان ردي عليه: “وتحبسني ليه أنا مش حرامي زيك، إنت اللي لازم يتعملك محضر؛ لإنك دخلت المترو من غير تذكرة”، فزاد في بجاحته وارتفع صوته وبدأ في العراك معي قائلا: “أنا هحبسك دلوقتي”. ونادى على أحد أمناء الشرطة وهو يتعارك معي أمامه، ويقول لي “أنا هخليهم يحبسوك انهارده علشان انت بتكلمني كده!”

فقلت لأمين الشرطة: “عاجبك اللي بيعمله ده؟” ولم يكن رد أمين الشرطة سوى أن اقترب مني قائلا: “امش يا كابتن أرجوك؛ علشان ده بلطجي في المنطقة هنا، والموضوع هيكبر! ”

فكان ردي عليه أنه يجب أن يقوم بحمايتي، فضحك وقال لي: “يا كابتن امش وخلص الموضوع”!

مواقف بسيطة قد يمر بها الكثيرون منا، توضح أن كثيرا من أبناء الأجيال القديمة لا يحترمون النظام ولا القانون، وهو ما يفسر لماذا تسير البلاد في طريق كله مشاكل وأزمات.

كيف لرجل لا يوجد له أي صفة رسمية أن يقوم بتهديدي بالسجن رغم أنه هو الجاني والسارق! أما عن الإحساس بالهوان والخذلان بعد تقاعس رجل الأمن المسئول عن حماية المواطنين وتفعيل القانون فلا تستطيع الكلمات أن تعبر عنه.

هذان الموقفان يشيران إلى أن بعض كبار السن في مصر، ومعظمهم من مؤيدي النظام، لا يقومون بالدور الواجب عليهم، والمطلوب منهم من تقديم القدوة من أنفسهم إلى الشباب، والعمل على نقل الخبرات التي اكتسبوها إليهم، كما يحدث في الدول المتقدمة، وأن يضيفوا إلى الحياة قيمة كبيرة تتناسب مع سنهم ومكانتهم، ولكن يبدو أن تربية وثقافة عشرات السنين من الاستبداد والفساد والفهلوة باتت تجري في عروق الكثيرين منهم مجرى الدم، حتى بات الشباب أكثر إصرارا على مطلب التغيير إن أرادوا أن يحيوا في مستقبل أفضل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد