وسط حالة الانقسام المجتمعي الحادة التي تعيشها مصر منذ ثورة يناير (كانون الثاني)، أتت الانتخابات الرئاسية الأخيرة (أو مسرحية انتخابات العسكر كما يسميها البعض) لتحتل الواجهة؛ وكما هو متوقع، تولَّى رجال الدين قيادة مشهد الانقسام وتوجيهه؛ فانبرى المؤيدون منهم للنظام يحضُّون الناخبين على المشاركة، ويفتونهم بحرمة التخلف؛ فيما راح المعارضون يحضُّونهم على التخلف، ويفتونهم بحرمة المشاركة؛ ليظل السؤال معلقًا أما الناخب الحائر دون إجابة شافية: هل المشاركة في مثل تلك الانتخابات حلال أم حرام شرعًا؟!

جاء رجل إلى الشافعي وسأله: إني أنزع ثيابي وأنزل إلى النهر لأغتسل، فهل أجعل وجهي جهة القبلة أم لجهة أخرى؟ فأجابه الشافعي: بل اجعله جهة ثيابك كي لا تسرق!

تلك الحادثة القصيرة جدًا جدًا، والتي قرأتها في أحد الكتب الأدبية تحت باب: «نوادر الفقهاء»، تستحق منا وقفة عميقة متأنية، وذلك لما تحمله من دلالة أكثر عمقًا لو انتبهنا إليها.

أراد الرجل هنا اللجوء للشرع (والله أعلم بنيته وغرضه)، فأحاله الشافعي الفقيه إلى البداهة؛ ما يعني أن الشافعي كان يرى البداهة في حد ذاتها شرعًا، أو على الأقل مصدرًا معتبرًا من مصادر الشرع، وأنها إذا كفت أمرًا فليست هناك حاجة للبحث فيما سواها، حتى ولو كان ما سواها هذا هو الشافعي نفسه!

ولا يقتصر إعلاء شأن البداهة وتقديرها على رأي الشافعي واجتهاده فقط (أو لنكون أكثر دقة: ما نظنه رأيه واجتهاده)، وإنما يتجذر الأمر في مصدر الإسلام الأول، وهو القرآن الكريم ذاته؛ فيقول الله تعالى في سورة الروم: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ».

يأمر الله عز وجل النبي هنا بالاستقامة على الدين، ثم يخبره –ويخبرنا– أن جوهر الدين هذا قد شكَّله الله على هيئة فطرة (بداهة) فطر الناس عليها، ثم وصف تلك الفطرة بأنها هي الدين القيِّم (أي الدين الحق)؛ وهنا لا يبدو رأي الشافعي اجتهادًا من عنده وحسب، وإنما إدراكًا حقيقيًا لمعني التوجيه القرآني، والتزامًا به، ووضعه عمليًا موضع التنفيذ!

وقد يبدو الكلام هنا عن البداهة وعلو قدرها انتقاصًا من باقي المصادر الأخرى للتشريع الإسلامي، من قرآن وحديث وغيرهما، أو إجحافًا بها، أو دعوة للاستغناء عنها؛ وهذا في مجمله غير صحيح!

فالكلام هنا ليس معاداة للفقه، أو تخوفًا منه، أو حتى تهربًا من واجب إعادة إنتاج خطاب له أكثر حداثة واستيعابًا للمستجدات؛ وإنما إدراكًا لواقع مريض، ويقينًا بأن استخدام البداهة في واقع كهذا أوفق وأسلم بكثير من الدخول إلى معتركٍ فقهي، قد يُقدِّم العوام والبسطاء على طبق من فضة للمتاجرين بالدين.

أما من يحتج بالآية: «وإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ»، ويطلب منا أن نرد الأمر إلى أصحابه (الله ورسوله)، فمعه كل الحق (إذا افترضنا صدق نيته)، ولكن عليه أن يعي أن هذا – عمليًا – يعني أن نخرج بالأمر من حيز البداهة والفطرة وأبجديات المنطق والعقل، التي تقول بكل  وضوح (في مسألة الانتخابات مثلا): أن كل من يشارك في أعمالٍ مثل هذه فهو مجرم أو منافق أو مُغَيَّب، إلى حيز آخر يسمح لكل درويش ومأجور أن يكون له رأي وكلمة.

فَرَدُّ الأمر إلى الله يعني أن نرجع للقرآن، فالله لا يخاطبنا بلسانه وإنما بالقرآن، وهذا حق لا شك فيه؛ ولكن للقرآن الآن – كما تعلمون – كهنة وسدنة، ممن أتقنوا بديع النحو الصرف والبلاغة والتأويل؛ ويستطيعون التدليس بسهولة على البسطاء وأنصاف المتعلمين، بل والمتعلمين أيضا؛ ولديهم من الوقاحة ما يكفي لتبرئة القاتل، وإدانة المقتول، وإنزال الحدِّ على المغتَصَبَةِ المُنتَهَكِ عرضها داخل أماكن التحقيق، أو حتى داخل مدرعة في الشارع!

أما الرسول وقد مات، فردُّ الأمر إليه يعني اللجوء للحديث وأهل الـ«عن عن»؛ وما أدراك ما أهل الـ«عن عن» الآن: حيث إرضاع الكبير، وبول الإبل، وطاعة ولي الأمر، وعدم الخروج على الحاكم «ولو جلد ظهرك ولو أخذ مالك و…»، وحيث فلان وفلان وفلان ممن يقتاتون بلحومنا على موائد الطغاة!

ولنتذكر دائمًا: إن أكثر النظريات صحةً قد تصبح خاطئةً تمامًا إذا طُبِّقت خارج إطارها؛ وأكثر الأقوال حكمة قد يكون أكثرها حماقة إذا قيل في غير سياقه؛ وأفضل التوجيه قد يكون الأسوأ إذا وُجِّه لغير أهله!

فاحذرهم يا أخى أن يفتنوك عن بعض ما فطرك الله عليه، ولا تتبع خطاهم إلى دغل الفقه الذي لا يخرج منه أحد، فوالله لو اهتديت فيه لألف طريق، لانبرى لكل طريق ألف دَعِىِّ، يجادلك فيه، ويُخَذِّلُك عنه، وبالقرآن والسُنَّة!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إسلام, سياسة, فكر

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد