مذ بدأت الفترة الدعائية لانتخابات مجلس النواب العراقي، في انتخابات يوم 12 مايو (أيار) 2018، ولا تزال تتصاعد الوتيرة السياسية، والنبرة الانتخابية، سواء باتجاه الهجوم على الخصوم الانتخابيين، أو باتجاه الترويج للبرامج الانتخابية، وسط مشاريع مثالية، ورؤى غير استراتيجية تحاكي عواطف الناخب العراقي، الذي ملَّ وكلَّ من الوعود الانتخابية، التي لم تتحقق، فما بين انتظار الناخب العراقي من لمس العدالة الاجتماعية، وتحسن الواقع المعيشي، والشعور بالاستقرار الأمني، ووضع حد لمظاهر الفساد المستشري في جسد الدولة العراقية، وبين الوعود الانتخابية الكثيرة والكبيرة التي يروج لها المرشحون، والقوائم الانتخابية، هنالك فجوة كبيرة، تظهر مِن خلالها التغيير الحاصل في لغة الخطاب الانتخابي.

بقراءة سريعة للحملات الانتخابية التي تمارسها القوائم المتنافسة، على مقاعد البرلمان العراقي، تتجلى لنا جملة من الإيحاءات السياسية، والتي لا تنبئ بجديد نحو تقدم الحالة السياسية العراقية، بل على العكس نلمس جوانب من التراجع في لغة الخطاب السياسي للأحزاب المتنافسة فيما بينها، والتي يمكن اختصارها في النقاط الآتية:

– تبني الخطاب الشعبوي في الترويج للبرامج الانتخابية من جهة، والهجوم على الخصوم السياسيين من جهة أخرى، فنلمس هذا الخطاب في البرامج التلفزيونية، والتجمعات الجماهيرية التي تنظم لمناصرة القوائم الانتخابية، تبني الخطاب الشعبوي وتجليه باعتباره ظاهرة وسمة عامة للقوائم الانتخابية، إن دلَّ على شيء فإنما يدل على التأثر بالتجارب الانتخابية المماثلة، ولا سيما في انتخابات الرئاسة الأمريكية، الذي كان الخطاب الشعبوي أحد سماتها الظاهرة.

– محاكاة الجانب العاطفي للناخب العراقي في مسالة مكافحة الفساد الإداري، ومحاسبة المتورطين فيه، الناخب العراقي وخلال أربع دورات انتخابية سابقة بعد سقوط النظام العراقي السابق، تعامل مع البرامج السياسية في أول انتخابات عامة، ومن ثَمَّ تحسن الواقع المعاشي في الدورات الانتخابية التي تلتها ولا تزال، ومع إن غالبية المجتمع العراقي أضحى على قناعة تامة بعدم واقعية تلك الوعود، إلا أن المعاناة التي يشعر بها يوميًّا تضعه في موضع، يبحث عن بصيص أمل وسط حالة من اليأس والقنوط، وإن كان غير واقعي.

الهجوم على الخصوم السياسيين بدلًا عن تقديم البرنامج الانتخابي، يتجلى هذا الأمر بصورة واضحة في الخطابات اليومية للقوائم الانتخابية؛ وهذا يدل على استنزاف البرامج الانتخابية، أو الشعور بعدم المصداقية من قِبل الناخب العراقي بالبرامج الانتخابية، التي تقدمها القوائم المتنافسة، ومن أجل إبقاء الجمهور الانتخابي للدورة الحالية، وعدم خروجه عن الدائرة الانتخابية، فإن الهجوم والنّيل من الخصوم السياسيين يكاد أن يكون ظاهرة انتخابية.

التسقيط السياسي للمرشحين عبر استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، والذي لا يخضع لأية نوع من أنواع الرقابة، ولا تُنظمها قوانين نافذة، ولا تحكمها أنظمة وإجراءات التي تصدرها مفوضية الانتخابات، هذا الفضاء الحر اللا محدود أصبح وسيلة فعالة ومجدية بجانبها الإيجابي من حيث الترويج، والوصول إلى الناخب العراقي، وبكلفة غير باهضة من جهة، وجانبها السلبي المتمثل بالحملات الدعائية السوداء، من حيث النّيل من الخصوم الانتخابيين، والتسقيط السياسي عبر نشر مسائل تمس شخوص المرشحين، ولا سيما المرشحات اللاتي مسهن الجانب الكبير من حملات التسقيط السياسي، لِمَا للنساء من حساسية اجتماعية في الواقع العراقي.

اللا واقعية في الوعود الانتخابية، حيث إن الانتخابات هي لمجلس النواب العراقي، والذي يمثل السلطة التشريعية، ومهمتها تشريع القوانين ورقابة السلطة التنفيذية، إلا أننا نلمس في البرامج الانتخابية، ووعود المرشحين مجالات خدمية، لا تتعلق بالعمل البرلماني البتة؛ وهذا دليل على أن الناخب العراقي لا يأبه للمسائل السياسية التي كانت غالبة وجذابة في الدورات الانتخابية السابقة، إلا أنها تحمل في طياتها نوعًا من التضليل السياسي، في ظل عدم وجود وعي انتخابي لدى الناخب، وفي ظل استغلال الظروف المعاشية الرديئة، التي يعيشها الناخب العراقي.

· اتهامات الخيانة والولاء لدول أخرى، وهذه واحدة أخرى من مظاهر الحملات الدعائية، والتي أصبحت شماعة للقوائم الانتخابية لاتهام الخصوم الانتخابيين، بخيانة البلد من جهة، والولاء لدول إقليمية، وأجندات خارجية.

مما يدل أن الخطاب السياسي الانتخابي، قد تغير نبرته بشكل عام، من حيث المضمون، والمحتوى، والوسيلة، والقالب، وهذا التغيّر يحمل في طياته جانبًا إيجابيًّا من حيث ضرورة احترام الناخب العراقي، ومراعاة تغيّر مطالبه، وتركيزه الأساسي على الواقع الخدمي، والحقوق الدستورية التي لم يتمتع بها، وكذلك يحمل جانبًا سلبيًّا من حيث الوسيلة المستخدمة، وتبني الخطاب الشعبوي الذي يمثل تراجعًا واضحًا إلى الوراء، وكذلك فيما يتعلق بالنّيل السياسي، والتسقيط الانتخابي، وسوء استخدام للخصوصية الشخصية، التي أصبحت ورقة ضغط تهدد الجميع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد