يتحه اللبنانيون إلى تجربة انتخابية نيابية جديدة في السادس من أيار (مايو) المقبل. لقد أقر القانون الجديد تقسيم الداوئر الانتخابية إلى 15 دائرة كبرى تضم كل واحدة دوائر صغرى يصل بعضها إلى أربع ضمن الدائرة الكبرى الواحدة. وعلى مستوى هذه الدائرة الصغرى (أو القضاء) يتحدد صوت الناخب للمرشح بعد أن يكون قد اختار لائحة على الدائرة الكبرى يحتسب نوابها على القاعدة النسبية.

هذه النسبية الفريدة من نوعها، بسبب تعقيد النظام الطائفي اللبناني، سمحت للقانون بأن يستبطن ضمنه مجموعة من أنواع القوانين الأخرى.

1- هو قانون يتقاطع في جوهره مع القانون الأورثوذوكسي، الذي كان موضوع نقاش كثيف قبل سنوات ثلاث ولم يبصر النور بسبب رفض قوى الرابع عشر من آذار (مارس) له، حيث يقوم القانون على انتخاب كل طائفة لنوابها على القاعدة النسبية. والقانون الحالي يجبر الناخب المؤيد لمرشح طائفي محدد على الاقتراع له في الدائرة الصغرى كي لا يسمح لمرشح آخر على المقعد نفسة بتحصيل أصوات أكثر من مرشحه المفضل. يعود بنا القانون بالتالي إلى اقتراع كل طائفة لنوابها (مع اسثناءات تخص الكتل الناخبة في مناطق لا مرشحين لطوائفها بها – الكتلة الشيعية في جزين وصيدا على سبيل المثال) وهذا جوهر القانون الأورثوذوكسي.

2- هو قانون يشبه أيضًا في جوهره قوانين «مقترع واحد، صوت واحد» الذي يتيح للمقترع اختيار مرشح واحد فقط من ضمن المرشحين وهذا هو المعنى الفعلي للصوت التفضيلي الذي نص عليه القانون.

3- هو قانون نسبي يقوم بتعيين حصة كل لائحة تبعا لحاصلها النسبي من مجموع الأصوات.

إذن هذه النسبية هي معبر اضطراري تخوضه اللوائح مكرهة إلى حيث يبدأ الاقتراع الفعلي: الصوت التفضيلي. فقوة المجموعة الناخبة الفعلية تبرز في القدرة على تجيير أصوات تفضيلية لمرشحيها ومع الصوت التفضيلي يبدأ الانتخاب السياسي.

لذلك تتوقف اللائحة عن تظهير دور حصري تقليدي، وهو اللون السياسي، لا بل تفتح الاحتمال واسعًا على نحويل اللائحة إلى منصة سياسية يمكن أن تجمع أهواء سياسية مختلفة يجمعها التوق إلى رفع القوة النسبية لحاصل اللائحة وبعد ذلك «كل طرف وشطارته».

لذلك نرى في تشكيل اللوائح مزيج يعصى على المفهوم التقليدي لتشكيل اللوائح في لبنان، حيث تجتمع قوى على لوائح وتتفرق على لوائح أخرى وقد يختار حلفاء في السياسة الفراق في لائحتين مختلفتين إذا كان ذلك يؤمن قوة نسبية أكبر للحليفين.

يتحالف حزب القوات اللبنانية مع حزب الكتائب في لوائح دون أخرى، كذا يفعل حزب الله وحركة أمل مع التيار الوطني الحر، والحزب السوري القومي مع تيار المردة من جهة والتيار الوطني الحر من جهة ثانية. وتجد على لائحة واحدة خصمين سياسيين كما تجد المجتمع المدني متحالفًا مع أحزاب تقليدية في بعض اللوائح. وتجد تيار المستقبل متحالفًا مع القوات اللبنانية في لوائح ومع التيار الوطني الحر في لوائح أخرى. وتتحالف غالبية الأحزاب اللبنانية مع التيار الوطني الحر (باستثناء منافسيه المسيحيين والتقدمي الاشتراكي). وأخيرا تجد لوائح لا يجمع أعضاءها سوى التضرر من تشكيل غيرها من اللوائح.

لقد عبر عن هذا الواقع وزير الداخلية ( تيار المستقبل) قائلًا: في ظل هذا القانون عليك أن تجعل مصلحتك فوق كل اعتبار!

ما يحدد اتساع مروحة التحالفات ضمن اللائحة الواحدة هو اتساع تواجد الطرف الحزبي على مساحة الوطن، كما تفضيل التشكل في لوائح مختلفة لرفع حواصل أكثر من لائحة في الوقت عينه. بالمقابل إن الانضباط السياسي للوائح يصبح أكبر بقدر تقلص عدد المحافظات/الأقضية التي بتحرك ضمنها الطرف السياسي أو تعاظم القوة النسبية ضمن الدائرة ( الثنائي الشيعي، التقدمي).

إنه فن «الرقص مع الذئاب» الكثيرة، الذي تجد الأحزاب اللبنانية نفسها مضطرة لتعلمه بديلًا من اصطفاف الثامن والرابع عشر من آذار (مارس) الذي حكم اللعبة الانتخابية منذ العام 2005 في لبنان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد