ليس الغرض من الانتخابات حل المشاكل الاقتصادية أو الاجتماعية البنيوية التي تعاني الدولة منها، الانتخابات وسيلة فقط لتغيير نمط التفكير أو النخبة الحاكمة وفي أحسن الأحوال تؤدي إلى تغيير سياسات الدولة ولكن الحل ليس سحريًا لاستدارة عجلة الاقتصاد أو التنمية ما لم يصاحب ذلك صبر وزمن غير قصير تعالج فيه القضايا على مهل ودون اصطدام، التحدي في الانتخابات هو نزاهتها واستمرارها وعدم العبث بما تفرزه أو ما يقرره الشعب، أما تغيير أحوال الدولة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية… إلخ فينبغي لذلك تكامل مجموعة من القيم والهياكل والمؤسسات وانسجامها مع بعضها البعض مع أخذها الوقت اللازم والقبول في المجتمع حتى تستطيع بعد الفترة أن تصل لغايتها.

الانتخابات هي أقصر الطرق إلى التطبيق الديمقراطي لتداول الحكم تؤدي وظيفة حسم الخلافات السياسية، وتضييق مجال التنافس في قوائم ومرشحين بدل أن يكون في مجالات وبوسائل أخرى تؤدي إلى انهيار المجتمع ومن ثم الدولة، فدورها وظيفي وليست وظيفة في حد ذاتها بمعنى أن الفائز فيها لا يأخذ كل شيء بل هناك طرق أخرى أيضًا حتى لأولئك الذين لم ينجحوا في الانتخابات ليشكلوا مجموعات ضغط ومعارضة لتصويب وردّ ما لا يرونه يخدم المصالح الاجتماعية، فالمعارضة البناءة هي جزء أيضًا من خدمة الصالح العام ومن المفروض أن هؤلاء خسروا جولة انتخابية وليس إقصاء من الحياة السياسية، كما أن انطلاقاتهم كانت من أجل مصلحة عامة ولذلك من يتخذ هذا الطريق النبيل عليه أن يخدم شعبه ومجتمعه من داخل السلطة أو من خارجها. وعليه فإن أي تنافس يحترم القواعد العامة للانتخابات ستكون مفرزاته كلها لصالح القضايا الرئيسية للمجتمع سواء بالنسبة لأولئك الذين حملتهم صناديق الاقتراع إلى الحكم أو أولئك الذين لم يحظوا بثقة الناخبين.

ما أريد أن أصل إليه سحبًا على واقع بعض المجتمعات المتخلفة أن الانتخابات تحولت إلى مجال تنافسي إقصائي وهي التي من المفروض آلية فقط للوصول إلى التمثيل السياسي فالمجتمعات التي لا تنتج سوى الفراغ وتسبح في لا حضاري وغاب عنها أي مشروع ثقافي تغرق في الشعبوية، وتولي للمسألة الانتخابية أبعادًا هي في الواقع ليست من مخرجاتها، فالانتصار مثلًا في الانتخابات يفسر على أنه تكسير لإرادة الآخر وتفوق مادي ومعنوي على الخصوم، يشعر المنتصرون بغبطة وعظمة مع أن الفوز يعني مزيدًا من المسؤولية الاجتماعية والسياسية والأخلاقية على أحوال الناس ومصالحهم وبذل مجهود مضاعف للسهر على قضاء حوائج العامة وحل مشاكلهم، كما يفسر الانهزام فيها على أنه نوع من المهانة أو الانتقاص من الكرامة، هذا التشنج وإعطاء الانتخابات بعدًا نفسيًا مع شخصنة شديدة، يغرقها في معنى آخر غير الهدف الحقيقي والتنظيمي الذي أوجدت من أجله، كما تقدم أعلاه، ويخلق صراعًا أفقيًا بين أفراد المجتمع وفي بعض الأحيان حتى بين أفراد العائلة الواحدة.

تميل المجتمعات المتخلفة للعودة للعصبيات، ويبدو ومنذ أن كتب ابن خلدون عن العصبية لا تزال هذه المجتمعات تعيش في نفس نمط التفكير، فالحملة الانتخابية تنطلق انطلاقة خاطئة فلا تعتمد على برنامج الحزب أو المرشح بقدر ما تعتمد على القبيلة والعشيرة أو الجهة، ذلك أن المجتمع المتخلف لم يعبر إلى الانتخابات عبر مسارها التاريخي وإنما وجد نفسه مباشرة يمارس آلية ديمقراطية بدون أي تراكم ثقافي حداثي لمسألة الديمقراطية وآلياتها الانتخابية، لذلك نجد أنه كلما اتجه المجتمع نحو الحداثة قل أو انعدم تأثير القبيلة والجهوية والعرق في مخرجات الانتخابات، في حين تكون القبلية أو الجهوية أو الطائفية… إلخ عامل حسم ومؤثرًا للمجتمعات التي تفقد بوصلة التحضر فتستدعي الانتماءات القديمة للغلبة والتفوق العصبوي وعلى حد قول «دوركايم» يصبح هناك تضامن آلي بين أفراد القبيلة، فغياب مشروع الدولة والمواطنة يستدعي كتحصيل حاصل تعريفات وانتماءات ما قبل الحداثة.

تمارس الانتخابات في المجتمعات المتحضرة بميزان العقل وتمارس الانتخابات في المجتمعات المتخلفة بميزاج العاطفة وتطغى عليها كثير من الدغمائية ويختلط فيها الدنيوي مع الديني بدون حدود وفي بعض الأحيان يستعمل الأخير كوسيلة لضرب الخصوم حيث لا يكف بعض المنتسبين للتيارات الدينية من تخويف المنتخبين على أن الانتخابات «شهادة» يحاسبون عليها ويجب اختيار الأصلح… إلخ وغير هذا الكلام، وطبعًا فإن المنافسين الآخرين غير صالحين، هذا التفكير في جعل الانتخابات شهادة دينية يؤثم مخالفها يترك مساحة من التردد والصراع للمنتخبين (شهود!) خصوصًا في المجتمعات التي يكون الدين فيها هو المحرك لاتجاهات الأفراد وقيمهم، ما يجعل الفصل بين السياسي والديني مسألة معقدة فالبعض يعتبر أن السياسة من الدين وفصلها يعني نقصانًا من الدين، نعم ربما هي كذلك لمن يؤمن بهذا، ولكن هذا ينطبق في الدولة الدينية التي يحكم فيها الدين حتى قوانين المرور، وليس في دول علمانية وليبرالية تعتبر الدين مسألة شخصية وأقصى حد في علاقتها معه هو ربطه بالأحوال الشخصية فقط.

وإذا كانت الانتخابات شهادة فكيف يحكم للمرشح الصلاح أو الفساد؟ وهناك عدالة وقضاء لم يدنه ومصالح إدارية لم تتهمه، هذا بالنسبة لمن كان في المنصب، أما إذا كان مرشحًا جديدًا فكيف يعرف صلاحه من عدمه؟ ومن يشهد لعدالته أو جوره وهل الشهود كلهم عدول وتتوفر فيهم شروط الشهادة؟ وفي الفقه الإسلامي لا تؤخذ شهادة خصم ولا ظنين (حاقد) ولا شهادة الفقير ولا شهادة الأقارب ولا شهادة الصديق… إلخ، فهل ينطبق هذا على الانتخابات؟ وكما هو معلوم أن التصويت يساوي بين صوت المرأة والرجل، فماذا عن شهادة المرأة وأحكامها في الفقه الإسلامي، مع العلم أنه يمكن لصوت واحد أن يحدث فرقًا ويرجح قائمة على أخرى، إذًا من الناحية الفقهية تبطل مسألة الشهادة، لأنها لم تراع شروطها وأحكامها وهذا إسقاط في غير محله أصلًا.

الانتخابات هي تعبير عن رأي، والأخير يحتمل الصواب والخطأ ومجالها هو مجال الاجتهاد، وبالتعبير الاقتصادي يجتهد الأفراد للترشح ويقدمون خدماتهم في السوق السياسية ويجتهد المنتخبون لاختيار أحسن بديل أو برنامج أو أحسن اتجاه يرونه مناسبًا لإدارة شؤون الحياة السياسية في البلدية أو الدولة ككل، وفي مسألة الاجتهاد يخطئ الفرد أو يصيب لأنه في النهاية رأي يحمل الصواب والخطأ، وإذا أردنا أن نعطيه تفسيرًا دينيًا ففي الأثر من أصاب له أجران ومن أخطأ فله أجر الاجتهاد ولا يمكن أن يحمل الأمر على غير ذلك، فمسألة الثواب والعقاب هي مسائل غيبية لا يمكن بأي حال من الأحوال توعد الناس بها.

ضرورة الانتخابات في المجتمعات المتخلفة هو وجودها وممارستها بشكل دوري حتى يتعود الأفراد عليها ويتعودوا على نتائجها ويرضوا بما تفرزه الصناديق، ووجب الحفاظ عليها كآلية لتحافظ على شكل الدولة على الأقل، وللوصول إلى انتخابات نزيهة وتحترم الإرادة الشعبية يجب أن تكون هناك أرضية صحية مبنية على مجموعة من المؤسسات السياسية والاجتماعية الحرة، مع ثقافة مجتمعية قابلة للدمقرطة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد