كثيرة هي دروس الانتخابات الأخيرة، فقد تكلمت وأشارت ودلّت على أمور كثيرة، ولكن نشير إلى أعمّها وأهمّها والمعين في طريق إحياء هذه الأمة وإعادتها لمسارها الصحيح.

 

 

 
1) قد يُخدع الناس في شخص أو موقف، لكن حينما يطّرد الأمر ويعمّم ويأتي المستقبل يعلم الناس حقيقة ما جنوا وما صنعت أيديهم وحجم ما فرطوا فيه، فإذا بهم – بوعي أو بلا وعي- يقرّون بفحش الجريمة التي جنوْها يوم 30 يونيو وما بعدها، ليعودوا إلى وحل 52 والنكسات من 56 إلى 67 إلى كامب ديفيد إلى الفقر والبطالة والوحل والتبعية والنظر إلى إسرائيل كصديق بل وكدولة عظمى.

عاد الناس يدفعون ثمنًا غاليًا بدون مقابل، بل بمزيد من الخسارة، حتى يقرروا إيقاف هذه المهزلة المستمرة منذ ستين عامًا.. لكن متى؟

2) كلما غاب الإسلاميون انكشفت العملية السياسية:

 

 

 
لا يبقى منها في غيابهم إلا العصبيات العائلية، ولو كان شيء مرشحًا للوجود لكانت هي تلك العصبيات، وقد فشلت كذلك.
ولهذا دلالاته على عمق الهوية الإسلامية وأنه لا يمكن أن تُلغى، يمكن أن يطفو على السطح أصباغ أخرى لكنها كاذبة ومؤقتة وغير فاعلة. والدلالة الأكثر عمقًا أن الناس لم تصدق أدعياء السلفية أن هذا صراع هوية، بل لم تصدق أصلًا أنهم (إسلاميون)، فمواقف الإسلاميين بتنوعاتها – حتى الرافضة للمشاركة السياسية- شيء آخر، ومعركة الهوية قد خسرها هؤلاء إذ وقفوا مع أعدائها؛ فلا بكاء الآن ولا تصديق لما يدّعون من دعوى باهتة – أنهم يخوضون معركة الحفاظ على الهوية!- يعلم العدو قبل الصديق أنها كاذبة وأنهم رموز دجل قابلون للاستخدام بطرق شتى.

 

 

 
لم يحتجْ الناس أن يناقشوا أدلة مع هؤلاء بل كان الواقع والأحداث أكثر صدقًا، وأكثر حرارة تذيب الكذب، وأكثر محنة وفاعلية ليسقط الجدال وتبدو الحقيقة.

إن للناس فطرة تصمد رغم الدجل، إنها تضمر، تختفي، يعطَّل تفعيلها، لكنها لا تُلغى. وهذه ورقة لن ينتزعها من دعاة هذا الدين أحد، فالكل يسعى عكس الفطرة إلا أهل هذا الدين ودعاته، ودورهم حاضر كل لحظة، وتنتظرهم كل فطرة؛ حيث لا تستغني عنهم لحظة، فليبقوا على عهدهم لا يبرحون.

3) الفراغ المذهل:

 

 

 
يبقى الناس متذبذبين، يستجيبون لحملات التشويه وتغييب العقول، ثم يفيقون على مصائب كبرى فيندمون ويرجعون. لكن ما ضيعوا مكلِف جدًّا، فقد تكلفوا عمرًا ودماء وأموالًا ووعيًا كما تكبدوا انقسامًا وتباغضًا.. لكنهم لا بد أن يرجعوا ويفيقوا، وليست هذه هي المشكلة!

إنما المشكلة كامنة في الخطاب الدعوي الموجه لهذا الشعب، بل وللشعوب العربية والإسلامية، إذ لم يحصل الناس من هذا الخطاب على قواعد ومفاهيم تمنعهم من الاستجابة للتضليل أو الاستخفاف؛ إذ لم يعلم الناس الموقف العقدي من العلمانية والقومية المتطرفة المضادة للإسلام والوطنية المطروحة كبديل عن الدين.

ولم يعرفوا مدى تناقض هذا مع عقيدتهم، بل ما وجه إلى الناس هو كلام (حلو) في (الدين) على سبيل طرق الوعظ المعهودة، والتي يحفظ فيها الناس كلام الوعاظ قبل أن يكملوه، مع بقاء غياب مفاهيم أساسية حدث بها لبس عظيم.

لم يعلم الناس مدى الارتباط بين العلمانية والقومية ومعاداة الإسلام وتنحيته، وبين التخلف والقهر والاستبداد والفساد والتبعية.

لم يعلم الناس مقدار ما خسروا في هذه الأوضاع المنكوسة منذ غياب الإسلام عن قيادة الحياة، ومقدار ما خسروا خصوصًا في ظل أوضاع الاستبداد مع العسكر. بل لا يعلم الناس وجوب قيادة الإسلام للحياة وأن هذا مقتضى عقيدتهم، وأنه لا يجوز لهم وجود هيمنة أخرى لشريعة أو هوية إلا الإسلام.

بل أكثر من هذا، لا يعلم الكثير أن الإسلام من وظيفته قيادة الحياة، بل ولا يعلمون أن في الشريعة أحكامًا لجميع مناحي الحياة، وأن أحكامه العامة الجماعية كأحكامه الخاصة الفردية: ملزمة ولا يجوز الخروج عنها، وأن الخروج عنها كالخروج عن الأحكام الفردية الخاصة، وأن رد أمر الله في أمر فردي خاص أو جماعي عام حكمه حكم التكذيب بخبر الله تعالى؛ فكل جريمة.

سيبقى الناس حتى يعلموا أن الاتجاه الإسلامي ليس طائفة، بل هو الهوية والأمة، هو التاريخ والفطرة الكامنة، هو الأمل والمخرج. حتى ولو قصر البعض أو أساء من انتسب إليه، سيبقى واجبًا على (الأمة) أن تعود إلى الإسلام وتخرج القيادة التي تقودهم بهذا الدين.

سيبقى الناس يعودون في كل مرة إلى السقوط مع أي حملة إعلامية وأي توجيه مضلل لأي مأجور أو مأجورة من الإعلاميين الدجالين الكذابين؛ يضلل الناس ويحرضهم على دماء وأعراض بعضهم.

إلى حين يفهمون الحقيقة وتتضح الصورة، وحتى ذلك الحين سيبقى الحِمل معلقًا برقاب أصحاب هذه الدعوة ودعاة هذا الدين. أن يعُوا هم الحقيقة أولًا، وأن يعلموا ما يجب عليهم وعلى الناس أن يعلموه، ومقدار ما يجب أن ينتشر من مفاهيم عاصمة من الضلال والاستخفاف والسقوط الديني والخلُقي والإنساني والسياسي، وعاصمة من الخسارة المذهلة التي نخسرها حتى أننا في كل مرحلة من الخسارة تصعب عودتنا إلى مرحلة سابقة أقل فداحة.. والله تعالى العاصم.

 

 

 

 
4) من أعظم الدلالات رؤية آيات الله تعالى مطبقة في عالم السياسة كما عالم الاجتماع كما عالم العقائد.

– (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ* لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُحْضَرُونَ*)
سيبقى خادم الطاغوت خادمًا له، جندًا محضَرًا، برغبته أو رغمًا عنه أو مدفوعًا من الشياطين التي تؤزّه أزًّا، ليدافع عن الطاغوت، برغم أنه قد عبده ليحميه فإذا به هو الحامي الخادم.

لقد تبين له عراء الطاغوت لكن هو غارق في وحل العبودية، وما زال أسيرًا له ضائعًا؛ إذ قد فقد الاعتصام بالله تعالى والتوكل عليه، فمن أجل هذا اشترى الطاغوت وباع دينه وأمته.

 

 

 
– (وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا).. وهذا الانقلاب في الموقف من العز إلى الضد سيكون في الآخرة، وله شواهد في الدنيا.

إن من باع دينه وعبد الطاغوت يجد الطريق أحيانًا قد سُدّ في وجهه، وعن عمدٍ قد فعل الطواغيت! فإذا تململ عُبّاد الطواغيت غيروا لهم وضع القيد، أو طريقة الضرب بالسوط أو لحن رقصة العبودية أو طريقة لعب العقول وخداع الشعوب.

عن عمدٍ يفعل الطواغيت حتى لا يتمكن عبّادهم من وضع ما أو يظنوا أنهم يمتلكون شيئًا، فسياسة الأمر دائمًا تهدف إلى إبقاء شعورهم أنهم عبيد، مستذلون تحت حد السيف، لا يركضون إلا في حدود ما يقول السيد، وليبقوا دائمًا ضارعين شاكِين طالبين الفتات، خلف الشهوات، والسيد متأفف من كثرة طلباتهم!! رغم أنه يعطي عبيدًا له آخرين الكثير بغير حساب حيث يقتسمون الغنيمة المنتنة، لكنهم يقتسمونها كشركاء جريمة، أما من خان دينه فلا يأمن الطاغوت أن يخونوه أيضًا!! يا للفضيحة لقد سقطوا في كل اتجاه!

– (إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ).. فلا بد أن يهبطوا إلى دركة يتأفف منها الشيطان والمردة والطواغيت حتى يقولوا نحن لا ننزل إلى هذا المستوى ولا نرضاه لأنفسنا فإن عندنا من الأخلاق والضمير والدين ما يمنعنا عن هذا.

لقد تأففت نساء غير مسلمات وأخريات علمانيات رافضين للدين والشريعة وتأفف رموز إجرام من فتاوى الدياثة وقالوا أخلاقنا تمنعنا من هذا التدني!!

ستبقى كل ساعة تتوالى العبر، والسعيد من وعظ بغيره، ولتأتين عبر عظمى في كل أصناف الباطل، بداية ممن دبر وقدّر إلى المستدعَى المتآمر إلى الراقص المزمر إلى المؤيد الغافل. ألا سترون آيات الله دومًا، (إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ* وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ * إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا).

ألا إنه لا أمان إلا في جناب الله وركنه، والتمسك بدينه ولزوم غرز نبيه والسابقين الصادقين، ألا لا حِمى إلا حِمى الله، ألا لا حِمى إلا حِمى الله (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّك).. ( وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ).

صدق الله العظيم، وعلى الله توكلنا وبه احتمينا، وبه استعصمنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

انتخابات, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد