هناك حقيقةٌ صارخةٌ في التاريخ المعاصر لشمال أفريقيا والمنطقة المغاربية على وجه الخصوص تقول:«إذا عقدت العزم على خوض مضمار الانتخابات المغربية بالصحراء الغربية وربح الرهان، فما عليك سوى التلويح مهرولًا بسيرتك الذاتية مرشحًا، وأنت تحترف واحدةً من ثلاث مهن، ويشكل احترافك لمجملها امتيازًا؛ سرقة المجالس، والتهريب، وبارون مطيع في تجارة المخدرات. كل هذا تقدمه على طبق من الولاء والإخلاص للسدة العالية للأجهزة الأمنية السرية منها والعلنية».

فكيف نقرأ فلكلور «السلوك الانتخابي» بالصحراء الغربية؟

من أعلى سفوح جبال باني إلى أقاصي تخوم أوسرد و سواحل الكويرة الباردة، وعلى طول مورفولوجية الصحراء الغربية بكل امتداداتها يشكل تنظيم العملية الانتخابية المغربية تعارضًا بالمطلق مع الوضع القانوني للصحراء الغربية الذي يؤطره القانون الكوني؛ بل إهانة و ابتزازًا علنيًّا للشرعية _ وإنا لسنا في صدد مقاربة الوضع القانوني للإقليم _ فكل ما تقوم به المملكة المغربية عبر توغل أجهزتها هناك، سواءً ذي الطابع السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو حتى الثقافي، لا يتجاوز سقف الممارسة الاستعمارية المفروضة بمنطق القوة، ولا تأثير لها على الإطار القانوني الكوني للصحراء الغربية.

لا اختلاف في أن المحطة الانتخابية مُنعطف مهم في كل (نظام ديمقراطي)؛ هو الآخر يمر من مرحلة الحمل والمخاض ثم الولادة، بل إنها اختبار حقيقي لإرساء دعائم الديمقراطية. فبذلك حرصت الحكومات والتنظيمات السياسية والبرلمانات على اختلاف مشاربها على وضع قواعد قانونية واضحة للتباري الانتخابي. لكن السلوك أو الممارسة الانتخابية بالصحراء الغربية مبنية على بِنى غير نزيهة وغير شرعية في جميع مراحل «العملية الإنتخابية»: بدءًا بالتسجيل في اللوائح و إنزال أفواج من (الناخبين) لا ينتمون للإقليم، والتسجيل بعدة دوائر ل لأشخاص أنفسهن، والتصويت المزدوج لصالح للمترشح نفسه، أو «المرشحين» في نفس الوقت، إلى الزج بأسماء الموتى في اللوائح وحضور صبغة الإكراه والتهديد المباشر والناعم، والقرينة الكاثوليكية للمال الأسود بالسياسة العرجاء… كل هذا بمباركة و تزكية «صاحب مقترح الحكم الذاتي» دون أن يبدي أي تصرف يذكر، وهو الذي يحصي أنفاس المواطنين الصحراويين عبر أجهزته وأعوانه، كلما تعلق الأمر بمن لا يرضى عنهم بسبب مواقفهم و آرائهم السياسية المخالفة _ للتوجه الرسمي _ كما يقال. فهل تخفاها خافية «لعنة الانتخابات»؟

في مجتمع تغلب فيه العشائرية بالشكل المكثف لها نتيجة سيادة روح القبيلة وتأثيرها الحاضر في كل شيء. أو كما يحددها _ ميشو بلير _ بما هو مشترك بين الأفراد وبما اعتادوا تملكه جماعيًّا. فالمسألة في عمقها السوسيوسيكولوجي تطرح الفكر القبلي الممزوج بميكيافيلية المصالح، صانعًا للحقيقة المجتمعية والمدنية.فابن خلدون في مقدمته، ص129 ، يسترسل :

(…) القبيلة لا تتحدد بكونها متجذرة أو متفرعة عن جدٍّ أول. ولا تتحدد فقط بما قد يجمع بين أعضائها من روابط الدم؛ إن النسب في معناه الضيق لا يعدو أن يكون معطى وهميًّا لا يصمد أمام وقائع الاختلاط، وعلاقات الجوار والتعايش المكاني، أما في معناه الرمزي _ أي النسب و الانتساب _ أو ما يماثله من أشكال التحالف والولاء والانتماء فإنه يشكل الإطار الحقيقي للقبيلة، ويظل هذا الإطار غير مكتمل، طالما لم تعززه عناصر الألفة والتعامل الطويل، طالما لم يكتسب الفرد عادات وأعراق القبيلة ولم يتبلور لديه الوعي بوجود مصلحة عامة ومشتركة (…). ويقول ابن خلدون بصريح العبارة: «لا معنى لكونه من هؤلاء أو هؤلاء، إلا جريان أحكامهم وأحوالهم عليه كأنه التحم بهم». إنها القبيلة إذن، وتفاعلها بشبكات المصالح، من داخل إقليم الصحراء الغربية، يولد أفعال سياسية خاصة تجد بين ثناياها استحالة الإتيان بفعلٍ فردي منفصل عن ما هو تقليدي. وهنا نستنتج قدرة النسق القبلي الممزوج بسيادة الولاءات وبرجماتية المصالح على توجيه السلوكيات السياسية والثقافية للأفراد والجماعات، وكما يقول جورج بالاندييه:«عامل القرابة المتمثل في نظام السلالات هو المحدد للعلاقات السياسية عمومًا» (1)

لقد استفادت الإدارة المغربية، منذ أفول القوى الاستعمارية الفرنسية والإسبانية، بسط نفوذها و تجذرها واستمراريتها مما يُعرف «بالنخب التقليدية»، وهي تلك الفئة العشائرية التي تقتات على مشروعية قامة القبيلة وفق ضوابط مرجعية ثابتة؛ كالنسب، والوراثة، والجاه، والإرث التاريخي… كل هذا لازال قائمًا ولو بشكله الرمزي و الثقافي لا الظاهري. وقد برزت «نخبة جديدة» في صيغة «أعيان جدد» داخل الجهاز الإداري، هي الأخرى تستمد مشروعيتها من سخاء الامتيازات التي يمنحها النظام السياسي المغربي مقابل الحفاظ على سير مصالحه التي لا تتجاوز داخل المجال السياسي الصحراوي (مصالح اقتصادية و أخرى أمنية)، وكذلك الرصيد المالي والاقتصادي للشخص الذي يعض عليه بالنواجذ، كما تناوله مارشال سالنس:«الرجل العظيم يصل إلى السلطة بفضل ما راكمه من ثروة مادية. فمكانته الاجتماعية والسياسية تجد مبررها في الجانب المادي وتوظيفه في الوصول إلى السلطة»(2)

تتميز الانتخابات في الصحراء الغربية بحكم النسيج القبلي، بأنها لا تخضع لمنطق «الإنتماء الحزبي»، هذا الأخير – غير الموجود أصلًا – بحيث لم يثبت أن شخصًا ما شارك في عملية التصويت من منطلق إيمان وقناعة «ببرنامج حزبي» معين، وإنما «أعيان قبلية» لم تقرأ ولو مرة واحدة «القانون الأساسي للأحزاب» الذي يرتدون عباءتها، ويلهثون وراء «تزكيات حزبية» لكسب رهان «الحملة الانتخابية». وانتهى الفيلم حيث موعدنا في «المسرحية القادمة».

وختامًا؛ فما بين التصويت في صناديق «الاستفتاء لتقرير مصير شعب الصحراء الغربية» وصناديق «الانتخابات المغربية»، تبقى كلمات من قبيل (المواثيق الكونية، والعدالة، والديمقراطية، وحقوق الإنسان) تهرول باحثةً عن بيئة صحية كي تحط الرحال فيها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد