قبل أيام وإبان افتتاح الدورة التشريعية، ما إن خلص الملك من خطابه وهم بالخروج، حتى تهافتت جحافل النواب على المأكولات والحلويات الموجودة على الطاولات بالبرلمان المغربي، وفي مشهد مثير للسخرية والبكاء، وهم يهمون بالمغادرة محملين بأكياس الحلوى أمام كاميرات الصحافة وأنظار المواطنين، بدون أدنى إحساس بالمسؤولية التي على عاتقهم، كان هذا تلخيصًا للمشهد السياسي المغربي، لما وصل إليه من بؤس وانحدار غير أنه ومن واجبنا باعتبارنا باحثين ومتخصصين، أن نحلل سبب هذا الابتذال، وكيف آلت الأوضاع إلى ما هي عليه الآن، فالانتخابات حق من حقوق الإنسان وبها تتحقق مصلحة الفرد والجماعة، وتتقدم بها الأمم وتزدهر، وعن طريقها يشارك الجميع في الحياة السياسية.

غير أن السؤال المطروح ما جدوى هاته المؤسسات وما الغرض منها؟ الجواب هو تجميل الشكل السياسي للدولة والنظام، ليأتي سؤال آخر هو أن هل المواطن هو المسؤول عن وصول هؤلاء الانتهازيين، وهو من يقوم بانتخابهم لكي يتقلدوا مناصبهم مقابل دريهمات من أجل أن يصوتوا عليهم؟ الجواب يبقى هو أن هذه الحالة هي نتيجة وليست سببًا، لأنه عندما تكون الانتخابات أداة حقيقة للتغيير وتكون اللعبة غير متحكم فيها، سيكتشف المواطن وحده أن صوته أكبر وأغلى من الدريهمات والولائم التي يمن عليهم بها المرشح الانتهازي من أجل التصويت عليه، بحيث إن ذلك المواطن الفقير الذي يقوم بأخذ بقشيش من أجل التصويت يرى أنه الشيء الوحيد المضمون في (مسرحية الانتخابات)، لأنه لو ضمن أن صوته سيمكن من تغيير السياسة التعليمية والصحية والشغل وتشييد نموذج تنموي حقيقي … فحتى لو كان مواطنًا انتهازيًا لن يقوم ببيع صوته بمقابل رمزي بل بمبلغ عال جدًّا.

 ومن هنا فجميع من يريد بيع صوته، سيفعل ذلك بمبلغ كبير جدًّا، وعليه فسيتعذر على المرشح الانتهازي شراء نسبة الأصوات التي تضمن فوزه لأن قيمتها المالية ستكون كبيرة، ويبقى بناء المدارس والمستشفيات مثلا أرخص من الرشوة التي سيقدمها للمصوتين، وبالتالي سيقوم بالدور المنوط به منذ البداية.

ومن هذا المنطلق فالفضاء السياسي يبقى المحدد الأساس للعملية الانتخابية، فأفكار مونتسكيو حول استقلال السلطات، تبقى الترياق الأهم للتغلب على التحكم والاستغلال، ففي الأنظمة المقارنة حيث يسود مناخ ديمقراطي وتنافس حقيقي، يبقى المحدد الأساسي للفوز في الاقتراع مبني على أساس البرنامج، لا الولاء أو القبيلة أو العشيرة، كما حددها دوركايم في العلاقات الأولية، أو العامل الديني أو الإثني.

ولأكمل إجابتي عن السؤال الأول ما جدوى وجود هاته المؤسسات المفروغة من محتواها، يبقى التحليل الأنسب هو لا بد من وجود مؤسسة يستطيع الشعب انتقادها وجعلها شماعة لتعليق الفشل عليها، وذلك بدل المواجهة الصريحة مع النظام، فالانتقاد الموجه للنواب الذين لا يحضرون إلى القبة أو النائمين فيها، أفضل من مهاجمة مركز القرار، وبالتالي توجيه الرأي العام عمن يمتلك السلطة الفعلية إلى مؤسسة صورية لتعليق الفشل، وبالتالي مهاجمتها في حالة عدم الرضى الشعبي عن قضية أو سياسة ما.

وتبقى الحاجة إلى وجود نخبة أو طبقة لتسندها، وإشراك مصالحها مع مصالح النظام، فهذا الأخير بوجود نخبة برلمان ودواوين يخلق نخبة مصالح مرتبطة به باستمرار، لأن هدف النظام هو أن يكونوا معه وأقوياء به، ويبقى هدفهم النجاح المالي والمعنوي.

كانت هذه هي الإجابة عن السؤال أعلاه، لأن البرلمان المستقل سيحتوي على نواب مستقلين يعرفون أن الشعب هو من قام بوضعهم في منصبهم ذاك، وبالتالي سيُصبِح هذا الأخير هو مصدر السلطة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد