إن الهدف من كتابة هذا المقال الفني في أغلب تفاصيله هو توسيع مدارك المواطنين والمواطنات في ليبيا، خاصة فئة الشباب حول المعرفة الانتخابية، والتي لا يزال الشباب في ليبيا لا يعطيها الأولوية، على الرغم من أنها الأداة الرئيسة للنظام الديمقراطي، والتي تحقق مبدأ التداول السلمي للسلطة، والمحفزة  إلى ممارسة الحقوق السياسية  للمواطنين والمواطنات والتي نص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، عليه ارتأيت أن أخصص مقالتي للحديث عن المقترح المقدم من قبل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في ليبيا والذي نشرتهُ في 29 مارس (آذار) 2018 تحت عنوان: (مقترح بشأن تصميم نظام انتخاب رئيس للدولة.

بداية أود التوضيح أن  المفوضية هي هيئة فنية مستقلة تتبع السلطة التشريعية في ليبيا، وتعمل على إدارة وتنفيذ الانتخابات في ليبيا منذ 2012، قد قدمت مقترحها بناء ً على ما اعتبرته رفعًا من مستوى الوعي بالعملية الانتخابية وتفاصيلها للمواطنين والمواطنات، دون إغفال أن المقترح جاء متماشيًا مع الأصوات المنادية بإجراء انتخابات رئاسية قبل نهاية العام الحالي 2018، من أجل توحيد المؤسسات في بلد يعيش في حالة انقسام مؤسساتي منذ أواخر 2014.

بالمختصر ينص مقترح المفوضية على تقسيم الرقعة الجغرافية لليبيا إلى دوائر متعددة بدلًا عن الدائرة الواحدة كما هو معمول به عادة في الانتخابات الرئاسية في دول العالم باستثناء الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول بشكل خاص، وتشترط المفوضية في مقترحها عدة شروط منها أن يتم إجراء جولة انتخابية واحدة وليس جولتين، وأن يكون عدد الدوائر الفرعية عددًا فرديًا، وأيضًا أن تتساوى القيمة التصويتية لكل الدوائر بغض النظر عن عدد الناخبين والناخبات في كل دائرة، ويعتبر المرشح رئيسًا للبلاد في حال استطاع الفوز بأكثر عدد من الدوائر الفرعية، وللتوضيح أعطي مثالًا بسيطًا: (لو اعتبرنا أن عدد الدوائر في ليبيا 11 دائرة بناء على تقسيم الدوائر في انتخابات المؤتمر الوطني العام 2012، فإن المرشح الذي يتحصل على الترتيب الأول في سبع دوائر، يصبح في اليوم التالي رئيسًا للبلاد بغض النظر عن عدد الأصوات الكلي أو كثافة الناخبين في هذه الدوائر).

على الرغم من أن المفوضية في تمهيدها بينت بأنها اعتمدت هذا النظام من أجل إتاحة فرص متساوية للتنافس بين المرشحين والمرشحات، إلا أنها غفلت على عدة أمور أبرزها مخرجات هذا النظام وتأثيره على المدى المتوسط والبعيد على المشهد السياسي في ليبيا، حيث إن هذا النظام سوف يدفع المرشحين والمرشحات إلى تركيز برامجهم ووعودهم الانتخابية على الدوائر التي تدين بالولاء القبلي أو الجهوي أو الأيديولوجي لهم، وإهمال باقي الدوائر، وبذلك يكون ولاء الرئيس للدوائر التي فاز فيها، وليس للوطن والشعب، وهنا الخطر الحقيقي الذي قد يتسبب به هذا النظام، أي زيادة تغذية القبلية والجهوية التي تنسف القوام الديمقراطي وتقوض دعائم الحكم الرشيد للدولة على المدى البعيد.

إن الرئيس يجب أن يحشد دائمًا أكبر عدد من أصوات المواطنين والمواطنات من أجل التمتع بمشروعية وقاعدة شعبية ضخمة على مستوى الوطن تدعمه، وهذا هو الحال في أغلب دول العالم الديمقراطية.

أخيرًا على مؤسسات المجتمع المدني والشباب بشكل عام أن يعوا الآثار المترتبة من اعتماد نظام الدوائر المتعددة بدلًا عن الدائرة الواحدة والفائز الأول على مستقبل ليبيا، وإن كان هذا مجرد مقترح مقدم من هيئة فنية، إلا أننا ندفع قدمًا إلى بلد يكون فيه الشباب هو المحرك الأساسي نحو الازدهار والتقدم بعيدًا عن الاستقطاب القبلي أو الجهوي، والذي يُحجم آفاق وطموحات الشباب ويقوض دعائم الديمقراطية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد