هناك حالة نفسية معروفة لدى المحللين النفسيين والدارسين عن شدة تعلُق الفتاة بأبيها، وتسمى علميًّا بعقدة «إلكترا»، فالأب بالنسبة للبنت هو بمثابة الذكر الأوّل والجنس الأوّل، وفقًا لتعاريف فرويد الجنسانيّة عن أصل التعلّق نفسه.

تلك العقدة تزداد وطأة في السوء بوفاة الوالد – خاصةً إن حدثت في وقت مبكر- ويزيدها إمعانًا في السوء أن يكون رجلًا مثاليًا عن حق، تعلقت به الوالدة وأحبته، وأورثت عنه الحكايات!

المهم أن نقطة النقاش هنا ليست العقدة بحد ذاتها، لأنها كما أشارت معظم الدراسات النفسية أنها عقدة عصيّة على الشفاء ومن تلك الفئة من تدّمرُ حياتها العاطفية بالكامل جراء تبعات تلك الأزمة -أو قل العاهة النفسية- بسبب المقارنات المستمرة بين ما تجده من نماذج رجال يطمحون إليها وبين التعلّق الأوّل -الوالد- وكلها مقارنات غير منطقية في مجملها وأحيانًا ظالمة، فلا جدوى -عملية- من مقارنة البحر بالنهر!

ونساء تلك الفئة يملن دومًا إلى التعاطف قلبيًا تجاه الأكبر سنًا من الرجال، أو ممن يقربونهم سنًا لكنهم يبدون ممارسات أبوية تعاطفية وقوة شخصية يغلفها الحنو!

وإني هنا لأخاطب الجانب الآخر من الحافة الشائكة من العلاقات العاطفية، فلم لم يعد منطقيًا، وخصوصًا في هذا الزمان الصعب، أن نطالب معشر رجال اليوم، الموتورين أصلًا، بتفهم تلك النفسيّة ومعاملتها كما هي، وبث روح الأبوة الجديدة وإن كانت صورًا باهتة كما هو محفورٌ في ذاكرة جسدية ونفسية بشّكلٍ يستعصي معه المساواة والرضا بأقل منه أو ما يوازيه على الأقل. إن رجال اليوم، في عمومهم، والنِّسَاء أيضًا، لم يعد أحدٌ يعوّل عليهم في تقبل الطرف الآخر بكل عاهاته، فالزمن كما قلت آنفًا بات صعبًا.. الجميع يبحث فيه عن كمال غير منطقي، وتفاهم «تيك-أواي»، وهارموني قابل للطي! لسنا في ذلك الزمان الهادئ الذي إن وجد فيه امرؤ شيئًا جميلًا به عطبٌ قليل، صبر على إصلاحه وتلميعه وإخفائه ليُصنع على عينه! صرنا في زمن «فاست-لوڤ» و«فاست- هارموني»، وقست قلوبنا عن أي صبرٍ حتى تجاه أنفسنا!

وتجد طالبي الزواج عازفين عن الاقتران باليتيمة، لأسباب شتى، أغلبها الهرب من مسؤولية الحياة مع من تذكره في كل نفس أكسجين يأخذاه معًا أنه ليس ولن يكون يومًا كما كان «الحب الأوّل»! ومن يقدم على تلك الخطوة في حياته إنما يتجه إلى اليتيمة لتكون «زوجة ثانية» مهضومة الحقوق سلفًا، فلا أحد قد يقف بجوارها في خضم أي نزاع أو تحصيل حقوق، كما أشارت عليّ حين كتابة هذا المقال بعض اللواتي استشرتهن ومررن بتلك التجربة القاسية، اليُتم، وهضم الحقوق في زيجة ليس لها منها أي فرحة تُذكر أو جبرٍ للخاطر قد يُضمن.

ليس هناك ما يعيب أن تتعلق اليتيمة بصورة خالدة في ذهنها عن الوالد الحاضر الغائب في وجدانها وذاكرتها الجسدية الأولى، لكن ما يجعلها «عاهة نفسية» هي تبعات ذلك التعلق في المشاركة بشطرٍ كبير من التأثير على قراراتها العاطفية في الإرتباط بشريك الحياة، والدخول في دومات عاصفة من المقارنات التي في غالبها خاطئة وظالمة وغير مدروسة بشكلٍ منطقي عملي. والتأثيرات في العادة تنتهي إما بقرار زيجة خاطئة بشخص ربما يكبرها بأعوام كثيرة فتدوم فرحة قليلة في البداية بمشاعر حنان واحتواء صنعه فارق السن، ثم يأتي ما وراء ذلك من اختلافات فكرية وجسدية كبيرة لا تجعل من ذلك الزواج مشروع موفق يدوم طويلا. وربما رأينا بعض تلك الزيجات المشهورة في عصرنا الحديث التي نجد نساء في ريعان الشباب يقترن برجال تخطين الخمسين عامًا وربما يثمر ذلك الزواج بأطفال وتدوم بينهما عشرة متفهمة سعيدة.

نعم! لدينا عاهة نفسيّة، ورأي المستهزئين غير مهم مقدمًا، فلقد مررنا بما يقيسه علماء النفس بثاني أقسى تجربة إنسانية نفسية، بعد الانتحار! وقليلات هن المحظوظات من تلك الفئة من وجدت «النيجاتيف»! نعم «النيجاتيف دادي»، فهذا ما كنا نبغي!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد