قرأت كتابا عن فلسفة الدين، كان يحلل رؤية الأديان الكبرى ـ من حيث عدد المؤمنين بها ـ للإله، وجاءت ترجمة المؤلف لكلمة الرب أو الإله خاطئة تماما؛ كان يترجمها إلى اسم الإله الحق ـ جل وعلا ـ فقد كان يقول : (الله).

 

 

 

 

هو خطأ شائع ـ عامة ـ بين المترجمين المسلمين، وفيهم من لا يعرف عن الإسلام غير شواطئه، بل بعض الكتاب بالعربية إذا أراد أن يتحدث عن الإله أو الرب في بعض ديانات البشر ذكر ذلك الإله المزعوم باسم الله، إنهم يظنون كلمة الله مشترك لفظي كالإله يجتمع تحته كل تصورات وخزعبلات البشر التي أفرزتها أوهامهم عن الإله.

 

 

 

 

 

ربما أراد بعضهم أن يلبس على المسلمين تصورهم لكلمة الله – جل في علاه – وربما تعامل بعضهم مع الكلمة كاسم الجنس الذي يطلق على كثير كالإنسان والشجرة ونحوهما، لا بأس؛ فالحمد لله أني قارئ يقظ يدرك تماما أن الكتاب أخطر صديق!

 

 

 

 

 

إن لم يكن أخطر عدو: فهو يجمع ثرثرة المؤلف وأوهامه بجانب بعض علومه ومعارفه مع كثير من مزاجه الشخصي وتقلب أحواله خلال أيام أو شهور، وربما أعوام تسويده سطور وصفحات الكتاب، ومن ثم يخرجه لنا في صورة قشيبة جزلة، ليروج بعدها أن الكتاب خير صديق، وأفضل جليس وأنيس.

 

ولا أدري من أين جاءوا بالتفرقة بين ثرثرة رجل كهل ممل في مقهى كئيب عن خلاصة فكره وخبراته وبين سطور نفس الرجل التى جمعها سفرا، فإن كان ثمة فارق فلابد أنه يكمن في أن الاستماع لثرثرته يتطلب كوبا من الشاي معه في ذلك المقهى، بينما قراءة متفتقات فكره تتطلب ثمن عشرة أكواب من الشاي على الأقل.

 

 

 

 

 

 

وحتى هؤلاء الكهول الذين قضوا، ولم يعد من الممكن مجالستهم ومشاركتهم مائدة الشاي تلك، فلابد أنهم ثرثروا مع بعض أفراد الجيل الأصغر، ومن ثم ثرثر هؤلاء إلى من خلفهم حتى وصلتنا تلك الثرثرة، فإن الإنسان كائن مثرثر، وثرثرته ذات طبيعة تراكمية.

 

 

 

 

 

 

ومع ذلك فإن ثمة فارق آخر، ألا وهو أن ثرثرة الكهل تأتي عفوية غير منمّقة، ولا تحوي كثيرا من الأكاذيب والخبث، إلا بالقدر الذي تسعفه فيه قريحته اللحظية، بينما تأتي سطوره السوداء كعسل القصب اللزج، طعمها حلو، وفائدتها كبيرة، ولكنها قد تخفي كثيرا مما لو اطلع عليه القارئ لمَجَّها مجًّا وبصقها بصقا.

 

 

 

 

 

 

كما أن ثرثرتهم تلك تأتي محملة بعاطفتهم اللحظية ومزاجهم الآني، إذ ما ذنبي أن أقرأ كتاب أحدهم، وقد حمل بعض سطوره عاطفة نقمته على المجتمع بعد يوم من معاملة المرتشين أو سفلة الناس،

 

 

 

 

 

 

وحمل سطورا ثانية عاطفة رحمته بالناس وقد أسدى أحدهم إليه معروفا، وثالثة محملة حسدا، ورابعة انتقاما، وخامسة نزقا وشهوة، وهو في كل مرة يفزع إلى قلمه ليكمل كتابه، حتى يفرغ من تدوين ما أراده فيزياء أو شعرا أو فلسفة أو رياضيات، ليخرج في النهاية سفرا نفسيا (سيكولوجيا)، تكفيني ثرثرته في حالة واحدة فقط، إن خيرا فخيرا، وإلا أنهيت كوب الشاي على عجل وتعللت وانصرفت، ولم أبك أسفا على ثمن السفر الذي اشتريته به ولم أقرأه.

 

 

 

 

 

 

أنا قطعا في ثرثرتي هذه ـ والمقال في ظني مجرد ثرثرة، لا يرقى أن يكون عسلا يمكن دس السم فيه، ولا ينخدع به غير الساذج الغر ـ أذكر فقط ثرثرة وسطور الكهول دون الشباب؛ إذ لا تعدو كلمات أولئك غير طنطنة لا تحمل خبرة!

 

 

 

 

 

 

فقط ثورة اليقين الكاذب في معرفة تلقوها من مجلة ـ (ما تزوقيني يا ماما) ـ صفراء في إصدارها الإليكتروني أو المتلفز، أو ربما إصدارها البطولي الناتج عن معركة الجدل البيزنطي السامر بين الأقران والندماء في جلسات استراحة لعبة محطة اللعب (بلاي استيشن) أو لعبة ورق التخمين (استميشن).

 

 

 

 

 

 

أو ربما في حلقة ذات دخان أزرق أو أبيض يتخذ بعضهم فيه مقعد الاشتراكي ذي السيجارة النفاذة الرائحة والطويلة طول الجلسة الحمقاء، والثاني مقعد الإسلامي ذي الحوقلة والبسملة والتشدق والتفيهق، وثالث نفعي، ورابع ليبرالي، و إي إي إي، ليفرغ الجميع وقد بذروا في أجسادهم مرض ارتفاع ضغط الدم في شباب العشرين والثلاثين، ومؤهلات السكتة القلبية والدماغية، وما شابه.

 

 

 

 

 

 

دعني الآن أرجع من ثرثرتي تلك إلى ثرثرتي الأولى عن الكتاب الذي قرأت، وقد كتبه مؤلف سابق لكتاب عن الإلحاد، فهو من هؤلاء الكتاب الذين خفشوا في ظلام عصر النسبية والعدمية، لا يعرف يقينا غير الشك، ولا علما سوى اللا أدرية ما لم يكن المعلوم شيئا يحشو به مصيرَه ( ج: مُصران، أمْصرة، ومَصارين) أو يظهر له أثره في حواسه الخمس.

 

 

 

 

 

 

إنه يحلل قضية الإله في الإسلام، المسيحية، اليهودية، الهندوكية، البوذية، متخذا وهما عدميا سبيله إلى استخراج نتائج سفره العظيم: إنه العدم ذلك الإله هو العدم، والإنسان المتدين يهفو إلى العدم، والفناء الصوفي بعض تلك العاطفة الجانحة إلى العدم، والأديان الخمسة تتحدث ـ فيما يزعم المؤلف ـ عن فكرة أن اللا وجود هو الوجود، بدرجات متفاوتة طبعا  ـ وبحسب قوله ـ والإسلام أقل هذه الأديان التي برزت فيها تلك الحقيقة اللا وجودية، وهو ما يعني أن عبد الموجود اكتشف فجأة أنه عبد اللا موجود، أو عبد العدم.

 

 

 

 

 

 

الإنسان باحث ـ بحسب رؤية المؤلف ـ عن العدم، منطلق إليه، وربما كنّا نحن العدم وهو الوجود، أو بعبارة صوفية: ما في الجبة غير الله، فهو الوجود ونحن انعكاسه، أو نحن الوجود من منظور والعدم من منظور ثان، وهو الوجود من منظور والعدم من منظور ثان، المهم أن الكاتب يتحدث عن فلسفة الظلمة والليل، والسرمدية السالبة.

 

 

 

 

 

 

وبغض النظر عن كل ما حواه السفر من كتب عن سالبية الإله لكل ما نراه حولنا.

 

 

 

 

 

 

 

وبغض النظر عن مقتضى ذلك، أي: سلبه لكل جميل وحق وخير بجانب سلبه كل قبيح وباطل وشر، وبعيدا أيضا عن محتوى الكتاب الذي يجعل تصور إنسان ذلك العصر، وهو المادي الغارق في عبادة الدنيا وتقديس ما ظنه تطورا علميا كفل له ربوبيته وربما ألوهيته على كل ما في الأرض، وربما العالم.

 

 

 

 

 

فبغض النظر عن توجيه تصور ذلك الإنسان عن الإله إلى أنه نظير الموت والفناء والظلمة، تلك الصورة القاتمة التي لن يرضى بها غير دراويش المستبدين أو المستفرغين كل ملذات الحياة والمشرفين على الانتحار أو اليائسين من تحصيل شيء من هذه الحياة المنتظرين خراب المعبد فوق رؤوسهم ورؤوس من يحسدونهم من المترفين، بعض النظر عن كل هذا، فإن رسالة خطيرة تبثها سطور ذلك السفر!

 

 

 

 

 

 

إنه يتحدث عن وجود ألوهي معاكس للوجود الكوني، وهو ينسب ذلك إلى الدين نفسه، ينسب إلى الأديان الخمسة دعاوى الفلسفة في جانبها الميتافيزيقي عن وجودات ترانسندنتالية مفارقة، ليس فقط، بل معاكسة للوجود الكوني؛ فإن كان وجودنا موجبا كان وجوده سالبا، والعكس، إن كنّا وجودا كان عدما، وإن كنّا عدما كان وجودا، ولكنا وجودًا بلا شك، هكذا سيقول ذلك الإنسان المادي، الذي سيقرأ هذا السفر كما يقرأ القرآن وروايات الجيب وغيرها على سبيل التثقف، وكل باطل لم تجد له تصنيفا في علوم الأفاقين يمكنك أن تنسبه إلى الثقافة، فإن كنّا وجودا، فلا ريب أن الإله .. !

 

 

 

 

 

 

إن الكاتب يكذب على الأديان، بل الإسلام خاصة ـ لن أجر للدفاع عن أديان غيره، فإما أنها أديان بقي لها من يدافع عنها، وإما أنها أديان هجرها أصحابها إلى دين (الليبرال) المتنور العظيم، مقدسين حرية السب العلني لكل دين يرى الإنسان عبدا لخالقه ـ وذلك حيث ينسب الكاتب للإسلام أنه أو بتصور عدمي عن الإله، تصور ظلماني، وذلك مخالف تماما لما أدركه المليارات من البشر الذين اعتنقوا الإسلام على مر الزمان والذين فهموا أن الإله الحق الواحد وهو الله له مطلق صفات الكمال، فهو النور الكامل وما في الكون نور ناقص.

 

 

 

 

 

 

الله قدرة كاملة وما سواه ذو قدرة ناقصة، علم كامل، إرادة كاملة، حي حياة كاملة، سميع بصير متكلم، وهو مع ذلك فوق عرشه الذي خلقه وجعله محيطا بالسماوات والأرض، أحد قيوم أول آخر ليس كمثله شيء، وهو بعد له الأسماء الحسنى الذي سمى بها نفسه عز وعلا.

 

 

 

 

 

 

نعم، أقول هذا ولا يخيفني إن اتهمتموني بالتجسيم، فلست مجسما ولا ماديا؛ إذ لا أعرف ما هو الجسم الذي تتحدثون عنه!

 

 

 

 

 

 

وإلا، فليخبرني أحدهم وبعلمهم المزعوم عن تعريف محدد للمادة والجسم، أهي الاسطقسات الأربع: الماء والتراب والنار والهواء، أم العناصر، أو الذرات، أو الـ(ما دون الذري)، أم الضوء حتى؟ وما الضوء هذا؟ وما ستجيبون به علي أهو الحقيقة أم مبلغ ما انتهت إليه تجاربكم يا من تؤمنون بالحس والمشاهدة؟

 

 

 

 

 

 

إن ذلك المؤلف يكذب على الإسلام، ويحاول ترويضه ليكون عونا لمخدوم البشرية اليوم وإلههم العلماني.

 

 

 

 

 

 

 

وذلك المترجم الذي لم يخجل من ترجمة كلمة الإله أو الرب إلى الاسم الأعظم ـ إن أحسنت الظن به ـ جاهل بالإسلام، مع علمي بأن ناقل الكفر ليس بكافر، ولكن ليست كل القضايا يمكن التزام الحيادية فيها، لاسيما والحيادية في العقيدة اسمها في الإسلام نفاق، ووصفها مرض في القلب، وترجمة كتاب كذاك وطباعتها ضمن مشروع الدولة بأموال المسلمين، وبيعه بسعر التكلفة تقريبا، مع غياب دراسة علمية رصينة مرفقة به تعد خيانة لعقيدة المسلمين.

 

 

 

 

 

 

دعني أختم ثرثرتي، قارئ مقالتي! بالتأكيد على إدراكي أن شيئا لن يتغير بالثرثرة، وأن مطابع لن تتوقف عن الدفع، وعقولا لن تخجل من البلع، وأن حجرا ألقي في اليم يحدث تأثيرا كونيا أعنف ملايين المرات من من تسويد ورقة افتراضية في عالم افتراضي لقراء افتراضيين من كاتب افتراضي ذي غيرة دينية افتراضية.

 

 

 

 

 

 

ولكن لأن الله الجليل ليس افتراضيا ولا أليكترونيا فلعله يطّلع على قلب حقيقي من كاتب وقارئ فيرى فيهما صدقا يكون إعذارا بين يديه في يوم أتى صفا مرصوصا فهو يطيف به فردا فردا والأرض في آخر الصف تنكر مجيئه، بل تنكر وقوفها في الصف!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد