يوم واحد بعد الاحتفال «المُلغى» بذكرى الثورة، تنطلق الاستشارة الوطنية التي أرادها رئيس الدولة همزة الوصل السياسي بينه وبين الشعب، تفتح الدولة ذراعيها «الإلكتروني» لتستقبل مواقف وطلبات وتصوُّرات عُموم الشعب التونسي حول موضوعات تتعلق بالتنمية والسياسة والاقتصاد، وغيرها من الموضوعات الكبرى التي لم تستطع الحوارات الوطنية والنقاشات بين الفاعلين السياسيين، أن تجد لها ما يناسبها من سياسات عمومية ومُخرجات.

للتذكير، فقد طرح رئيس الدولة فكرة الاستشارة الإلكترونية في كلمته يوم 13 ديسمبر (كانون الأول) 2021، والتي تضمَّنت أيضًا تسقيفًا زمنيًّا يخص مواعيد الانتخابات التشريعية والإصلاحات الدستورية والسياسية. تبدو هذه الاستشارة وسيلة إنتاج سياسي لبرنامج ما فتئ رئيس الدولة يُفصح عن معالمه شيئًا فشيئًا مع كل خطاب أو مناسبة يظهر فيها للعلن. لكن الملفت فيما يخص هذه الاستشارة، أنها تُناقض من حيث الشكل ما يعده رئيس الدولة بناء سياسيًّا قاعديًّا يُعبِّر الشعب من خلاله عن رؤاه وتصوراته فيما يخص الشأن العام.

في هذا السياق، نُسجل مجموعة من الملاحظات، أهمها:

1- تحتوي الاستشارة على مجموعة أسئلة وأجوبة متعددة الاختيارات، بما يعني أنه وقع حصر الأجوبة في محاور معينة لا يمكن أن يقع تجاوزها أو تسجيل إضافات أو مقترحات، إذا كانت فكرة البناء القاعدي التي يتبناها رئيس الدولة تقول بأن يُعبر المواطنون على رؤاهم في مختلف الحقول والمضامين السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فإن ذلك يتناقض مع فرض أجوبة بعينها على أسئلة قد لا تهم المواطن أو لا يعدها من الأولويات. بهذا الشكل، يصبح البناء عموديًّا وليس قاعديًّا، حيث إن رئيس الدولة قد نظَّم أولويات المرحلة السياسية وتفاصيلها ولم يبق غير ترتيب حسابي للخيارات، وهذا ما سوف تُتيحه مخرجات الاستشارة الالكترونية.

2- يُطرح السؤال بصفة جدية حول قدرة المواطنين من مختلف الفئات الاجتماعية والمناطق التي لا تتوفر على شبكة إنترنت وغيرها من مُستلزمات تقنية ولوجستية، على التعامل مع الاستشارة بوصفها لسان حالهم ووسيلة لتبليغ مواقفهم السياسية ومن ثمة، تطبيق مُخرجاتها على أرض الواقع.

3- إذا كانت الاستشارة الإلكترونية موجهة إلى عموم الشعب التونسي، فكيف سيتعامل الجزء المعارض لتوجهات الرئيس قيس سعيد وعموم الطبقة السياسية التي أُقصيت من المساهمة والفعل السياسي. من هذا المنطلق، نتساءل عن حجم تمثيلية الشعب التونسي في الاستشارة المذكورة وعن عدد من سوف يُجيبون عن أسئلتها.

4- لا يمكن أن نتغافل عن التكلفة السياسية للاستشارة من جانب أنها لن تكون معبِّرة –مهما كان عدد المشاركين – على توازنات الساحة السياسية ورهانات المرحلة. حيث إن تطبيق ما سوف يرد في الاستشارة، سيصطدم حتمًا بإكراهات المالية العمومية، ونقص التشريعات، وغياب الشركاء السياسيين والاجتماعيين. كما أن وضع المقترحات حيّز التطبيق- هذا إن توفَّر لها ما يلزمها ماليًّا وسياسيًّا- سوف يستتبع وجود نصوص وتشريعات قانونية وخيارات تنموية لا أثر لها اليوم في دفاتر القانون التونسي.

يتضح أن للاستشارة غايات أخرى تختلف تمامًا عن الإطار العام الشكلي والموضوعي الذي تحدث عنه رئيس الدولة. حيث إنها تبدو كما أشرنا وسيلة إنتاج سياسي لبرنامج أضحى واضح الملامح بفضل الحملات التفسيرية والتعيينات في مناصب سياسية وإدارية، وفي الوقت نفسه، برنامج دعائي تعبوي يحوم حول اختيارات أُحادية الجانب ومُمركزة بشكل يُناقض القول والفعل اللَّذين ما فتئ رئيس الدولة يُلقي بتفاصيلهما على مسامع عموم الشعب.

في السياق نفسه، لا يمكن أن تكون عملية إدارة المرحلة السياسية القادمة خالية من تناقضات «القمة والقاعدة»، حيث يقع الدفع بعناوين سياسية وبرامج يُراد لها أن تكون مُعبِّرة «إلكترونيًّا» عن مطامح العقل السياسي للشعب التونسي، في حين أنها نتاج خالص للتوجهات الرئاسية فيما يتعلق بالنظام السياسي وطبيعة العملية التنموية، والخيارات الاقتصادية والاجتماعية.

تبدو ملامح مرحلة ما بعد الاستشارة مُوغلة في الغموض ولا تُنبئ بما سوف يكون عليه الواقع السياسي في تونس، عدا بعض الملامح العامة. فأمام ساحة مُتعرِّجة طُرقاتها، تتعثَّر آلة الفعل السياسي يومًا بعد آخر، ولا نسجل انزياحًا للستاتيكو السياسي أو بوادر انفراج قريب. فرغم جُملة التحركات الاحتجاجية لبعض الفاعلين من المجتمع المدني والشخصيات السياسية، تظل رافعة المعارضة لتوجهات رئيس الدولة غير ثابتة على أُسس تُجنِّبها هزَّات التشظِّي والديمومة.

من هذا المنطلق، يبقى الرهان قائمًا على مجموعة من التناقضات التي نعتقد أنها سوف تؤثر عميقًا في مُجريات الأحداث، وربما تُعزِّز أكثر ضفة المعارضة لرئيس الدولة، وقد تُضفي توازنات جديدة وتقاطعات وأبعادًا أخرى على الساحة السياسية. أهم هذه المعطيات:

1- الكُلفة الاجتماعية الباهظة لقانون المالية لسنة 2022، والذي صرح رئيس الدولة بأنه وقع صياغة القانون رغم الإكراهات التي كان مُجبرًا على القبول بها، سيكون لثمن العجز الذي تعانيه ميزانية الدولة وطرائق سدِّه تداعيات ملموسة على ميزانية المواطن التي تعيش تدهورًا منذ سنوات. هذا ما سوف يدفع بأصوات التململ والغضب نحو التصاعد والازدياد، ولا يمكن استشراف الترجمة العملية لتلك الأصوات، فقط نستطيع القول بأنها لن تمر بحال من الأحوال على هامش الأحداث.

2- إذا ما تواصل العجز المالي للمالية العمومية التونسية، وما يُرافقها من تدهور للقدرة الشرائية وركود الاقتصاد، سيتجاوز الأمر لغة الأرقام والنسب، حيث يُترجم ذلك سياسيًّا بفقدان رئيس الدولة لتعاطف أو تجاوب جزء كبير من الطبقة الوسطى التي تبحث في نهاية المطاف عن حل اقتصادي بعيدًا عن صراعات السياسة والتموقع. هذا دون أن نتغاضى على مطلبية التشغيل وصرخات المستثمرين، غير أننا نُكثِّف التحليل على الطبقة الوسطى التي تُعد محرارًا سياسيًّا لقياس قدرات الفاعل السياسي على مسك مؤشرات المالية العمومية، والمحافظة على التوازنات الاجتماعية والاقتصادية.

3- مرحلة ما بعد الاستشارة ستكون برأينا ذات عناوين سياسية بامتياز. حيث ستُمثِّل مُخرجاتها تكثيفًا للمطلبية وتعبيرًا عن تناقض بين الدولة والشعب أو بين السياسات العمومية والشعب. بحيث سيكون الاستفتاء مُتمحورًا حول ما يُريده المواطن (بلغة رئيس الدولة) وليس حول ما تستطيعه الدولة. لذلك، سوف تساهم الاستشارة في مزيد تعميق الهُوّة بين الدولة والمواطن، في غياب نقاش جدِّي بين السلطة بأذرعها المتعددة كما هي اليوم في شخص رئيس الدولة، وبين أصحاب الوزن الاجتماعي والسياسي الذي يُمكن له قلب المعادلة أو تعديلها في أيسر الظروف، ونقصد الاتحاد العام التونسي للشغل وجزء من مكونات المجتمع المدني.

بهذا الرسم السياسي والقراءة لما هو كائن اليوم في تونس، يتضح أن الأزمة السياسية ما زالت تجد مُحفِّزاتها وشروط ديمومتها، إذ تبدو عوامل عدم الاستقرار وتمادي الشرخ في الصعود نحو الهاوية، واضحة للعيان وآخذة في الوضوح حدثًا بعد آخر ويومًا بعد يوم.

من حين لآخر، تبرز بعض المناورات السياسية التي تتخذ شكل التصريح أو البيان الصحفي، وتحتد التناقضات بين ضفتين من الشعب التونسي، أحدهما مساند لرئيس الدولة، والآخر يطلب عودة لا مشروطة لمسار ما قبل 25 يوليو (تموز). وسط ذلك، يبدو أن القوى الإقليمية والدولية كفَّت عن تعاطيها مع الشأن الداخلي أو خفَّضت سقف مطالبها من رئيس الدولة، بعد أن قدَّم رزنامة أو خارطة طريق سياسية في 13 ديسمبر 2021.

لذلك، يُطلب من الفاعل السياسي المحلي أن يكون أكثر جدِّية في التعاطي مع الواقع السياسي وقراءة اللحظة السياسية بعمق ومعرفة كيفية التفاعل والتعاطي مع جُزئياتها. هذا لأن التاريخ السياسي للدول لا يُسجِّل المقولات بقدر ما يحترم عبقرية البراكسيس.

في انتظار ما سوف تُفصح عنه لقاءات الفاعلين وصدمات المالية العمومية وتجاوب الشارع التونسي مع رئيس الدولة معارضة ومساندة، نقتفي بالمتابعة والتحليل تجنُّد الدولة لاستجواب مواطنيها افتراضيًّا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد