الارهاب السيبرالي (cyber terrorism) كما عرفه استاذ القانون الاردني عادل سقف الحيط بأنه ” القيام بأنشطة الكترونية تخريبية، أو بث الذعر ضد فرد أو مجتمع بشكل متعمد في العوالم الالكترونية لتحقيق أهداف سياسية أو دينية أو اجتماعية أي نشر الخوف و الذعر بين مجموعة معينة من الناس أو بين العامة”.

الارهاب الالكتروني و القانون

تحدثت قوانين العقوبات العربية و غيرها عن النيل من هيبة الدولة او النيل من الشعور القومي بما فيها ايقاظ النعرات المذهبية و العنصرية أو التحريض أو التحقير من الأفراد و الجماعات أو الأديان، فيما اكدت مجموع الدساتير أن حقوق الرأي مصانة بموجب الدستور و القانون.

بدأت الدول في السنوات الاخيرة نتيجة لتغول الثقافة الالكترونية بالعمل على تنظيم تشريعات تنظم الجرائم الالكترونية او تلك المرتكبة عبر الوسائط الالكترونية، كان أخر هذه القوانين القرار بقانون رقم 10 لسنة 2018 الفلسطيني بشأن الجرائم الالكترونية و الذي أقر عقب احتجاجات كبيرة من النقابات تحديدا المحامين و الصحافيين و مؤسسات المجتمع المدني على قرار سبقه بعام لنفس الموضوع و حمل نفس الاسم و هو القرار رقم 16 لعام 2017.

في ظل حالة السجال الالكتروني الذي ساد العالم العربي عقب ثورات الربيع العربي، وصل صداها الى المجتمع الفلسطيني فإن المشرع و هو غائب بسبب تعطل المجلس التشريعي الفلسطيني حيث يقوم الرئيس الفلسطيني بهذا المقام باقرار القوانين تحت مسمى (قرار بقانون)، حيث اقر المشروع الجديد و الذي تطرق لقضايا مهمة جدا في المادتين 24 و 25 منه حيث توعدت المادة 24 من القانون المذكور بعقوبة الحبس بمدة لا تزيد عن سنة او بغرامة لا تقل عن 200 و لا تزيد عن الف دينار أردني لمن ينشأ حسابا أو موقعا او تطبيقا الكترونيا بقصد عرض أي كلمات مكتوبة أو سلوكيات من شأنها ان تؤدي الى اثارة الكراهية العنصرية او الدينية او التمييز العنصري بحق فئة معينة بسبب انتمائها العرقي أو المذهبي او اللون او الشكل او بسبب الاعاقة”.

ذهب المشرع الفلسطيني في المادة 25 الى ما هو أبعد  أخطر من ذلك في المادة 25 من نفس القانون و التي حملت عقوبة خطيرة جدا، قد تكون اخلاقية في جانب، لكنها مخيفة في جوانب اخرى تتمثل بالخوف من استغلالها من قبل السلطة التنفيذية لتصفية الحسابات مع خصومها، حيث توعد بعقوبة لا تقل عن 10 سنوات سجن و بغرامة لا تقل عن ثلاثة ألاف و لا تزيد عن خمسة ألاف أردني غرامة لمن “ينشر على الشبكة الالكترونية معلومات من شانها التشويه أو التبرير لأعمال ابادة جماعية أو جرائم ضد الانسانية نصت عليها المواثيق و القوانين الدولية او المساعدة قصدا او التحريض على ارتكاب جرائم ضد الانسانية”.

يقودنا ذلك الى حالة التوحش الالكتروني الغير مسبوق في العالم العربي من سادية و عدم احترام لمشاعر الضحايا أو ذويهم من ضحايا العنف المتبادل بين الحكومات المستبدة و معارضيها من المليشيات المسلحة، و ما رافق ذلك من عمليات تحقير للضحايا و وصفهم بأقبح الصفات من أغنام الى خراف الى جهلة الى مغرر بهم الى اصحاب اجندة الخ.. في بعض الدول العربية ساد المجتمع العربي انقسام سياسي و طائفي حاد و تم استغلال وسائل التواصل الاجتماعي لنشر الأفكار المتطرقة و العنيفة و الاقصائية و أفكار ذات بعد طائفي ديني عنصري و تحقير للأديان و الطوائف و تمجيد لأعمال القتل و اعمال تشويه لكرامات و اعراض الناس طالت صحافيين و مثقفين و فنانين و سياسيين و كل فئات المجتمع من الجنسين بناء على مواقفهم السياسية و الأدبية.

اللاجئين السوريين في لبنان

في لبنان طالت حملات اللاجئين السوريين و تحولت وسائل التواصل الاجتماعي الى منصة لبث العنصرية المقززة، تم اتهام اللاجئين السوريين بجلب الامراض السرطانية و سرقة قوت و أرزاق الناس و كان لبنان المثال الأبرز للعنصرية ضد اللاجئين السوريين اضافة لفضائيات و وسائل الاعلام المختلفة تحديدا من الموالين للنظام السوري الذين ينظرون لجموع اللاجئين السوريين بأنهم معارضين للنظام السوري، عدا عن توجيه اتهامات لهم بالدعشنة و التطرف و الارهاب، يذكرنا ذلك بالموقف الشهير لأحد الصحافيين اللبنانيين الذي وقف امام ثلاجته المليئة بالمياه و الاطعمة و المأكولات المختلفة حيث شرب حليب و مياه باردة بصحة الأطفال السوريين الجوعى الذين يموتون جوعا أيام حصار غوطة دمشق، مع العلم أن حرب 2006 لم يجد اللبنانيين مفرا سوى سوريا للهروب من جحيم القصف الاسرائيلي، الملفت اكثر أن بيئة المقاومة في لبنان و هي التي تم استهدافها بشكل خاص في حرب 2006 هي من تشن حملات منظمة ضد اللاجئين السوريين في لبنان، لكنهم يركزون في شكرهم في ذلك الوقت على (سوريا الأسد) و في ذلك اشارة ان الفضل يعود للنظام و ليس للشعب السوري.

بثت منصات التواصل الاجتماعي منها يوتيوب تسجيلات حول انتهاكات خطيرة ذات طابع عنصري و طائفي ضد الأطفال السوريين اللاجئين في لبنان حيث تم بث مثل هذه التسجيلات من قبل من قام بهذه التجاوزات الخطيرة كنوع من المباهاة و المفاخرة و السادية ضد هؤلاء الاطفال و التي بالامكان توثيقها و عمل تحقيقات حتى صحافية استقصائية و تقديمها للمدعي العام للجنائية الدولية بصفتها تندرج تحت البند السابع المتعلق بالجرائم ضد الانسانية في ميثاق روما الذي يشكل النظام الأساسي للجنائية الدولية و المطالبة بتعويضات لضحايا هذا النوع من الجرائم حسب المادة 75 من ميثاق روما التي تحدثت عن جبر أضرار المجني عليهم.

من فلسطين هنا اليمن

بمعزل عن الخلفات السياسية و الفكرية التي يتسم بها الشارع الفلسطيني هناك العديد من القضايا التي تحظى باجماع أو شبه اجماع على أقل تقدير، أولى هذه القضايا هي قضية الحرب السعودية على اليمن بمعزل عن الاراء المتعددة حول المسؤولية السعودية أو الايرانية او الحوثيون أو حكومة عبد ربه هادي منصور.

انطلقت مؤخرا حملات الكترونية و مظاهرات طلابية في جامعة بيرزيت كبرى الجامعات الفلسطينية و وقفات تضامن مع الشعب اليمني وسط مدينة رام الله، تحديدا بعد يث صور المجاعات و المذابح المروعة بحق الشعب اليمني و التي طالت حسب تقارير المنظمات الدولية تحديدا الصليب الاحمر الدولي أطفال صغار، لم تتسامح أجهزة الأمن الفلسطينية مع مسيرة وسط رام الله خوفا من الغضب السعودي على السلطة الفلسطينية التي تؤيد مواقف السعودية رسميا، “الكلام في السعودية في الكواليس يختلف كليا عما يقال رسميا”، لأسباب سياسية و مالية نظرا لنفوذ السعودية السياسي الكبير في الجامعة العربية و دعمها المالي للسلطة الفلسطينية و هي مبالغ ليست كبيرة كما يتصور البعض.

 قاد هذه الحملات مع الشعب اليمني ناشطون يساريون و النشطاء من حركة الجهاد الاسلامي في فلسطين الذراع الايراني في فلسطين و كلا اليسار و الجهاد الاسلامي ينضوون في اطار ما يعرف بقوى الممانعة هذا التحلف الذي تتربع على عرشه ايران و يمتد من طهران الى دمشق و الضاحية الجنوبية في بيروت حتى الأراضي الفلسطينية.

من فلسطين هنا اليمن، الوجه اللاأخلاقي

من الملفت أن هذه الحملة التي تصاعدت في الأراضي الفلسطينية نتيجة الصور و التقارير الصحافية العالمية عن مأساة الشعب اليمني، زادت حدة هذه الحملة عالميا عقب جريمة قتل خاشقجي، لكنها أيضا تزامن مع هبوط حدة الصراع السوري نتيجة الانتصارات الروسية على الارض السورية و التي توجت بتقد القوات السورية على الجبهات، و من ثم الاتفاق الروسي التركي حول التهدئة في سوريا حيث لم تعد تهيمن صور القتل الجماعي و مذابح الكيماوي و البراميل المتفجرة على المشهد السوري، اختار يساريوا فلسطين هذا التوقيت لمناصرة الشعب اليمني أو بالأحرى مناصرة الحوثيين حلفاء ايران، و ذلك يعني أن الحملة لمناصرة الشعب تاخرت كثيرا بعد سنوات من المذابح بحق الشعب اليمني حيث لا يستطيع مناصري الشعب اليمني من اليساريين مساندة الشعب اليمني في نفس الوقت الذي يصفقون فيه لذبح الشعب السوري لأن هذه الازدواجية المفضوحة قد تضعهم في مرمى أحذية الفلسطينيين وسط رام الله و غيرها، كشفت الازمة السورية عمق الازمة الفكرية و الأخلاقية التي يعاني منها اليسار الفلسطيني.

قاد نشطاء اليسار الفلسطيني حملات تشويه منظمة ضد ضحايا النظام السوري من الأطفال و المعتقلين بشكل لا يقل عن المسلحين الذين قاتلوا النظام السوري.

الفلسطينيين و السوريين في مرمى نيران الذباب الالكتروني السعودي

فجأة و من غير سابق انذار بدأت تفوح رائحة صفقة القرن، الذي تلاها زيارة ترمب للسعودية، سبق ذلك كله حملات سعودية مسعورة شيطنت الشعب الفلسطيني على منصات التواصل الاجتماعي السعودي تحديدا تويتر، كان ذلك ايذانا ببدأ مرحلة لخطوات علاقات سياسية مع اسرائيل، ذلك لا يمكن من غير شيطنة الشعب الفلسطيني الذين وصفوا باللاجئين و المشردين و انهم باعوا أرضهم لليهود، حملات مشابهة سبقت الحملة السعودية في مصر عقب صعود السيسي، و في العراق بسبب ما يقال عن تفجير فلسطينيين انفسهم في العراق و تأييد الفلسطينيين لصدام حسين حتى بعد موته.

قاد هذه الحملات سعود القحطاني أحد الأسماء التي ذكرت بقضية اغتيال خاشقجي و الذي تم ازاحته من منصبه في الديوان الملكي باعلان رسمي سعودي، حيث زادت هذه القضية من حدة الحملات الالكترونية ضد الفلسطينيين و السوريين الذين تم وصفهم باللاجئين و المشردين على أن هذين الوصفين شتيمة و عار، و لكون شعبية اردوغان عالية في أوساط الشعبين الفلسطيني و السوري و هو الذي فضح السعودية في قضية غتيال خاشقجي التي تمت في القنصلية السعودية في اسطنبول التركية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد