نتذكر جميعًا فيلم طاقية الإخفاء لعبد المنعم إبراهيم، والجملة الشهيرة «العلبة دي فيها إيه؟ فيها فيل» وبعد ذلك نضحك كثيرًا وأصبحنا نردد معه، عندما يعاد السؤال مرة أخرى فيها فيل، مع أننا نعلم أن بها خاتمًا وليس فيلًا!

ربما عرض الفيلم بصورة منهجية صناعة الخيال في العقول أو ما يسمى «صناعة الوهم» أهيأ لك عقلك بأن الحقيقة شيء غير الذي تراه في الواقع في البداية ستقاوم بقوة، وستحاربني بأشد الوسائل، ولكن بعد ذلك ستقتنع وتردد مقولاتي!

وهذا ما نعيشه الآن في عالمنا العربي وكأن الفيل الذي نخاف منه، هو القلق زرع القلق في كل تصرفتنا، لم نعد نشعر بالأْمان، القلق على المستقبل، والقلق من الحاضر والخوف من الماضي، ما نلبث أن نشاهد التلفاز حتى تعتقد بأن العالم في طريقه إلى الهاوية وأن كل شيء أصبح في خطر.

صدر إلينا وهْم الإرهاب وهو صناعة غربية، تستغلها الدول الاستعمارية كما حدث في العراق، هو رد فعل على ما يحدث في عالمنا العربي حتى صار موجودًا بيننا بالفعل.

«جوزيف مكارثي» كان نائبًا في الكونجرس الأمريكي عام 1975، اشتُهر بعد ادعائه بأن هناك عددًا من الشيوعييين جواسيس يعملون في مناصب داخل الحكومة الأمريكية مما أثار الرأي العام، واستغل تمسك الناس بالدين للوصول إلى أهدافه وهي إعادة انتخابه مرة أخرى في الكونجرس، مما أدى إلى طرد الآلاف من وظائفهم والتنكيل بهم مثل «مارتن لوثر، وأينتشاين، وأرثر ميللر» وبعد اكتشاف كذبه أصدر مجلس النواب قرارًا بإدانته عام 1954 ومات متأثرًا بالمخدرات، وظهرت الطريقة المكارثية بوصفها إحدى وسائل التسويق.

«جوزيف جوبلز» صانع الهالة الإعلامية لهتلر الدعاية عن طريق إثارة العواطف، واستطاع جمع الشعب الألماني خلف هتلر عن طريق المنشورات والإذاعات، والترويج للنازية في الأفلام والمسارح والكتب، والتأثير في «خيال الجماهير» عندما تتغلغل العواطف يقتل التفكير، كان يرى ضرورة شغل المجتمع بأمور سطحية حتى يقتل الإبداع ولعل هذا ما يفسر ما نراه في واقعنا العربي، من انتشار برامج الفن والرياضة، ولا نرى برنامجًا واحدًا يحكي عن كيفية التفكير، أو عن الأمل. ومن أشهر مقولاته «إن الدعاية يجب أن تكون مستخدمة في حكم الشعب، ويجب أن تكون مكانتها الأولى بين تلك الفنون، ولا يمكن الاستغناء عنها في بناء دولة حديثة، وأن الهدف منها هو قيادة الناس إلى الأفكار التي ترغب الدولة في أن يعتنقها الجميع». وكان يطارد المثقفين دائمًا؛ لأن لديهم قدرة على إثارة الوعي، يقول كلما سمعت كلمة مثقف تحسست مسدسي، كما أعتبر الصحافة لوحة مفاتيح كبيرة تقوم الحكومة بالضغط على أزرارها!

ميكافيلي فليسوف وسياسي إيطالي، يعتبر من أشهر من وضع قواعد للحكام لخديعة الشعوب في كتابه الأمير، وهو صاحب عبارة الغاية تبرر الوسيلة، ويقول «بقيت زمنًا طويلًا لا أقول ما أومن به، كما لم أومن قط بما أقوله، وإذا حدث أن قلت الحقيقة فإنني ألفها بقدر من الأكاذيب حتى يجعل اكتشافها صعبًا». عندما طلب محمد علي من المثقفين حوله قراءة كتاب الأمير بعد قراءة أول الصفحات طلب منهم التوقف، لأنه طبق من الكتاب ما يتناسب مع طبيعة العرب، والباقي لا يتناسب معهم وهكذا استطاع ميكافيلي تقديم «كتالوج الاستبداد» على طبق من فضة للحكام.

محمد مصدق كان اقتصاديًا مدنيًا أول رئيس وزراء إيراني منتخب، قام بتأميم شركة النفط الإيرانية مما أغضب بريطانيا، وقامت بالتحالف مع شاه إيران وقتها «محمد رضا بهلوي» الذي ضاق بمصدق، وتحالفوا مع إعلاميين وقاموا بتمويلات لسياسيين، وضباط في الجيش الإيراني للمساعدة على بث الخوف وتشويه صورة مصدق، ولكن الشعب خرج مؤيدًا لمصدق وهرب الشاه. وقبل هروبه عين «فضل الله زاهدي» مكانه الذي قام بالسير على الدور المطلوب منه، حيث ساعد على إخراج مظاهرات معادية لمصدق، واغتيال المساندين له في وضح النهار، وقبض عليه ووضعه تحت الإقامة الجبرية وعاد الشاه إلى إيران مرة أخرى، وقام بإلغاء تأميم شركة النفط، هكذا أفشلت بريطانيا التجربة الديمقراطية عندما تتعارض الديمقراطية مع مصالحهم لا ينطق صوتًا عن حقوق الشعوب الأخرى في الحياة.

وهناك حكام تعمدت إلغاء التاريخ، وتوجيه الإعلام عن طريق جعل الإنجازات مرتبطة باسمه فقط، وظهر ذلك في محو تاريخ العصر الملكي بعد ثورة يوليو، وشطب صور فاروق من الأفلام، وإلغاء دور محمد نجيب في الكتب الدراسية، واعتبار عبد الناصر أول رئيس لمصر، وفي عهد مبارك تم حذف صورة الفريق الشاذلي من بين القادة لحظة انطلاق حرب أكتوبر.

وعلى الرغم من تشويه الحقائق المستمر وتفخيم صورة الحكام، لكن هناك شعوبًا استطاعت كشف الخداع واستغلال الدين للترويج للحكام، كما حدث مع «المعز لدين الله الفاطمي» عندما جاء إلى مصر فسأله أهلها عن نسبه قال «السيف نسبي، والذهب حسبي»، وعمل دعاة المساجد على الترويج أنه ينتسب إلى بيت رسول الله فلما صعد المنبر ووجد رسالة مكتوب عليها «إننا سمعنا نسبًا منكرًا يتلى على المنبر في الجامع، إن كنت فيما تدعي صادقًا فاذكر لنا أبًا بعد الأب الرابع» ولم يستطع الإجابة عليهم.

العزيز بالله ادعى حلول نور الله في الأئمة وأنهم يعلمون الغيب فسخر منه المصريون، وضعوا له رسالة عند المنبر مكتوب بها «بالظلم والجور قد رضينا، وليس بالكفر والحماقة، وإن كنت قد أعطيت علم الغيب، فقل لنا كاتب الرسالة» وكذب العزيز بالله وقال هذا ادعاء ولم أقل ذلك.

ومن أساليب صناعة الوهم قتل العلم، إعاقة كل ما هو جديد وزرع القلق في العقول، حتى تصبح غير قادرة على التفكير ويصبح كل آمال الشعوب عيشًا، وطنًا، سكرًا.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد