تقاس مدنية الأمم ورقيها بنظافة مدنها وحواضرها، وملاءمتها للعيش فيها، ولما للإنسان من حاجة مستمرة لاستهلاك مختلف أنواع الأطعمة والحاجيات الأخرى؛ مما يضطره إلى التخلص من مخلفاتها بصورة أو بأخرى، مما يؤثر على الصورة المدنية للمدينة، ويؤثر على النواحي الجمالية فيها، لذلك برزت الحاجة بين الفينة والأخرى إلى شحذ الهمم للنهوض من أجل المحافظة على جمال المدن ونظافتها.

وإشباعًا لرغبة مدينة الفاشر، وتلبية لتطلعاتها التواقة دومًا وأبدًا إلى الظهور بحلة جميلة، وسعيًا نحو إبراز الجوانب الجمالية لهذه المدينة العتيقة، لبت مجموعة من شبابها نداء المدينة؛ فكانت «مبادرة تطوير وتجميل مدينة الفاشر»، تأسست مبادرة تطوير وتجميل مدينة الفاشر نتاجًا لجهد شعبي، واستشعارًا من إنسان المدينة بأهمية النهوض بواقع المدينة وإعادة ما اندثر من تاريخ عريق وماضٍ مشرق لهذه المدينة الجميلة، إذ انبرى نفر من أبناء مدينة الفاشر، وحملوا على عاتقهم رسم وجه جمالي للمدينة وتطويرها؛ وذلك بهدف تعزيز روح المدنية في كل أنحاء المدينة النابضة بالحياة.

تتركز جهود المبادرة في نشر ثقافة الجمال، وتعزيز أنماط النظافة على كل المستويات؛ ففي حين تركز كل المبادرات على إصلاح ما أتلف، وتنظيف ما اتسخ، وإبقاء الحال على ما هو عليه، تنظر المبادرة إلى الأمر من زاوية أخرى، إذ تعتمد فلسفتها على تحويل مكبات النفايات إلى حدائق ومكبات للورود للحيلولة دون تحويلها إلى وجه قذر للمدينة مرة أخرى؛ فهي بذلك تنشر صورًا من صور الجمال حتى وإن لم تفطن هي نفسها لهذا الأمر.

وإمعانًا منها في ترسيخ معالم الجمال في المدينة، سعت المبادرة إلى كسر المألوف، إذ عمدت إلى تغيير ألوان الأرصفة في شوارع المدينة؛ ففي الوقت الذي يغمر اللون الأسود ممزوجًا بضده الأبيض كل شوارع الجمهورية، فكّرت المبادرة خارج الصندوق، وكست شوارع المدينة بلون أحمر قانٍ مصحوبًا باللون الأبيض، وكأنه تمازج لكريات الدم الحمراء والبيضاء تغذي شريان المدينة.

عادةً لا تستمر مثل هذه المبادرات ولا تعمر كثيرًا، فلا تلبث أن تصير ماضيًا يتحاكى به أهل المدينة في جلسات أنسهم ويقولون كان كذا وكذا، ولكن الناظر إلى هذه المبادرة يجدها واقفة على قدميها متطلعة نحو المستقبل، وعن سر هذا الثبات واستمرارية المبادرة يقول الأستاذ محيي الدين شوقار: «يعود الفضل في استمرار المبادرة إلى إحساس المبادرين بالانتماء وإيمانهم العميق بالفكرة، وقد كان البعد عن السياسة من أسباب النجاح، بالإضافة إلى تجنيب المبادرة أسباب الخلاف، وتعميق الصلات الاجتماعية بين المبادرين، حيث تم نقل مستوى العلاقة بين الأعضاء على صعيد الأسر، حيث يتم تبادل الزيارات والمشاركة في المناسبات الاجتماعية للمبادرين وأفراد أسرهم على السواء».

تعددت وتنوعت المشاريع التي نفذتها المبادرة، إذ اهتمت بجانب رعايتها لليالي الثقافية بإقامة فعاليات ثقافية ذات طابع اجتماعي بالتعاون مع شركائها المحليين، كما تبنت مشروع بناء مدرسة عثمان بن عفان بمنطقة التضامن شرقي مدينة الفاشر، وحول هذا المشروع يضيف الأستاذ محيي الدين شوقار كاشفًا الدوافع التي دفعتهم إلى تبني المشروع قائلًا: «لقد استفزني شكل الفصول الدراسية المزري، ومكتب الأساتذة الذي بني من المواد المحلية، والحمامات التي بنيت من «القش»، والتي كانت غير ملائمة ليستخدمها الإنسان».

وتسعى المبادرة نحو تحقيق مستوى عالٍ من الوعي بقضايا مثل النظافة على المستوى العام والشخصي، وتركز على قضايا مثل التوعية بأهمية غسل اليدين، وهو مشروع تسعى المبادرة لإقامة شراكات مع مؤسسات دولية تشاركها الاهتمام نفسه، مثل: منظمة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة «اليونيسف» التي تبنت المشروع ذاته، ومع انحسار الدعم الحكومي لمثل هذه المبادرات التي تعتمد على دعم المبادرين والمتطوعين والجهات الراعية بشكل كبير لتمويل مشاريعها، إذ تعد المبادر هو أهم عنصر في مثل هكذا مبادرات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد