توقيع أول

وعانقت أولى قطرات المطر أرض (الحميراء) بعد يومين ساخنين كانا مقدمة وإرهاصًا بخير عميم قد دنا، وخريف آخر يطرق على أبوابها برفق: أن قد عدت إليك أيتها الأرض البكر الطيبة. حين عانقت أولى قطرات الخريف صفحة الأرض، ارتسمت على صفحات الوجوه ابتسامات وآمال وأمانٍ وبشائر.

كان التوقيع الأول للمطر رسالة قصيرة لكنها عميقة ومؤثرة، كانت رسالة واحدة لكنها مرسلة إلى (متعدد) في نفس الوقت، كانت قُبلة أولى بعد فراق امتد أشهرا، عادت القطرات الصافية لتعانق الأرض الزكية وتقبل جبينها الوضيء، عاد الخريف إلى الفولة بموكبه فتهللت، كما عاد الربيع إلى دنيا الشاعر فازدان مكتسيًا بالسندس الشجر، عاد ليجمع الناس على مائدته المترعة وصالونه الواسع ويشنف أسماعهم بنشيده العذب ولحنه المحبب.

في مدينة السلام

سواء تحدرت إليها من الجبل الغربي من ناحية (كبارة)، أو من جهة القبلة على طريق (كدام) و(البيجا)، أو من غيرهما بطبيعة الحال، فستكون – على أية حال- على موعد خاص مع (الحميراء) صباحة المحيا، حاضنة الكرم، جوهرة السهل الخصيب الممتد بوسط السودان، مدينة الفولة عاصمة كردفان الغربية.

تبعد الفولة عن الخرطوم بنحو 900 كيلومتر، وتحيط بها شقيقاتها مدن الولاية الأخرى في عقد منتظم، ويبعدن عنها مسافات متقاربة تزيد أو تنقص عن المائة كيلومتر بقليل.

وإذا كان اهتمام المؤرخين بالتوثيق للكبراء والساسة وقادة الجيوش، فإن للبسطاء في الأسواق والمزارع والمراعي مؤرخين بسطاء أمثالهم يوثقون جوانب من حياتهم الجادة الصادقة، ويشرفون أقلامهم بالتوقيع على دفاتر (حكايات الحياة) كما يشاهدها الزائر والعابر.

(1)

في سوق المدينة قد يستوقفك الكبير قائلاً: يا ولدي.. وعلى بعد خطوات منه قد يتكرر نفس المشهد، ويستوقفك فتى صغير قائلا: يا عم! فلكل من أفراد المجتمع ومرتادي السوق صفة ومكانة اجتماعية خاصة، يستقبل سمعك أجمل عبارات النداء والتواصل في مجتمع السوق والمدينة، فبينما ينادى هذا: يا معلم، يا أسطى، تسمع آخر يودع زميله قائلا: شكرًا يا أستاذ، وما بين المعلم والأسطى والأستاذ والشيخ، يبني المجتمع شبكة تواصله على الاحترام والتقدير المتبادل وحفظ المقامات.

في سوق الفولة سواء كنت بائعًا أو مشتريًا لا بد لك من الجلوس في بعض الأوقات لالتقاط أنفاسك وتناول مشروب أو وجبة، حينها لا تكاد تفرق بين البيت والسوق؛ فالشخصية الاجتماعية حاضرة هنا بكل تفاصيلها (عم وعمة، خال وخالة، أخ وأخت…)، والبائع في سوقها لا يشغله الاهتمام بتصريف بضاعته عن إرضاء زبونه ومجاملته إلى أبعد الحدود. في أثناء العمل وفي ذروة (السوق) لا مانع لديه من (الونسة) وتفقد الأهل والسؤال عن القريب والبعيد، ولا يتحرج تاجر الفولة من استقبال الضيف وإكرامه، والجلوس معه والاطمئنان على من تركهم في الدار والبلد والاستماع لحكايات الطريق وطرائف السفر.

(2)

في مسجد المدينة وجامعها العتيق، يجلس المرشد بكل تواضع ووقار، وحوله مجموعة تربو على الثلاثين شخصًا عقيب صلاة العصر، كل هؤلاء يتحلقون حول الشيخ الوقور تلاميذ يستمعون لمعلمهم بكل أدب ورغبة وتركيز، يقرأ الشيخ صفحات من كتاب (رياض الصالحين)، يردد كل حديث من الأحاديث النبوية الشريفة مرتين، يتلو على رواد حلقته نحوًا من أربعة أو خمسة أحاديث ثم يرفع يديه داعيًا ومبتهلًا وهم يؤمنون خلفه آمين آمين، إن ذهبت تتفرس في وجوه الحاضرين وتتعرف عليهم، فهم من كل المستويات والمهن والمراتب الاجتماعية.

(3)

في عاصمة كردفان الغربية، سعدت بمرافقة أصدقاء كرام في أكثر من مؤسسة ومشروع، حيث تشرفت بالعمل مع الأستاذ سعيد الأمين وإخوانه بمركز الإشراق التقني، وصحبت الشيخ أحمد محمد حسين في مشروع تطوير المراكز القرآنية، وعملت مع شباب نادي الجيل الرياضي وقائده الأستاذ عبداللطيف آدم بحر، وعملت مع عدة فرق تدريبية في مدارس المدينة ومراكزها التعليمية الصيفية.

(4)

شهدت رمضان بالفولة مرتين، كان الشهر الفضيل يحل فيهما متزامنًا مع الخريف، وأقتبس هنا كلمات روضة الحاج شاعرة النيلين حين خاطبت البحر والمطر:

«مطر يجود على البحار

من منكما بدأ العطاء؟»

ولا أدري أيهما كان يسبق صاحبه إلى مدينة السلام، الخريف أم الشهر الكريم؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد