إليان غونزاليس هو فتى كوبي ولد في السادس من ديسمبر (كانون الأول) 1993 بكارديناس لأبوين مطلقين، حاز على متابعة دولية وسياسية أمام أنظار العالم وهو لم يتجاوز سن السادسة فقط؛ أي سنة 1999؛ إذ بدأت نقطة التحول انطلاقًا من كوبا، وتحديدًا عندما قررت والدة إليان الهجرة نحو الأراضي الأمريكية، وبالضبط إلى ميامي، عازمة على تحقيق تلك الأحلام الوردية التي كانت تعشش في مخيلة المواطنين الكوبيين آنذلك، خصوصًا أن كوبا في تلك السنوات لم تكن في أحسن أحوالها.

في الحادي والعشرين من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 1999، وتحديدًا في الرابعة مساءً تحرك المركب الشراعي البسيط من كوبا حاملًا على متنه كلًا من إليان غونزاليس، وأمه إليزابيث بروتونس رودريغس، التي أخذت الطفل دون إذن من والده خوان ميغيل غونزاليس، إضافة إلى 12 مهاجرًا آخر، متوجهين صوب المجهول تحت ظروف مناخية سيئة للغاية لم تكن في صالحهم البتة تلك الليلة؛ مما أدى إلى تحطم القارب الشراعي المصنوع من الألومنيوم في عرض البحر، ما إن انجلت الكارثة حتى أفاق إليان من سباته ليجد نفسه وحيدًا في وسط البحر عائمًا داخل قارب النفخ، فور فتح الصغير لعينيه أيقن حق المعرفة أن والدته قد غرقت لعلمه الجيد أنها لا تجيد السباحة، ولم يخطئ في حدسه فقد غرقت والدته إليزابيث و10 رجال آخرون من المهاجرين، ونجا منهم اثنان فقط تفرقا بفعل الحادث.

ظل الصغير لساعات طويلة في عرض البحر وحيدًا جائعًا عطشانًا تحت أشعة الشمس، قبل أن يلمحه ركاب أحد زوارق الصيد القريبة من شواطئ ميامي، وقام بإنقاذه، ليحتل بعدها خبر نجاته كل عناوين وسائل الإعلام سواء المحلية أو الدولية، ليتم فيما بعد تسليم الصغير إلى أقربائه بميامي للاعتناء به على أمل أن يتم تحديد موعد لإعادته إلى والده بكوبا، فيما أنكر هذا الأخير علمه التام بنية زوجته السابقة للهجرة، وخطف ابنه صوب الأراضي الأمريكية.

لم تكن لتمر قصة بهذه التفاصيل مرور الكرام إعلاميًا، لذلك أثارت ضجة حول قصة إليان، خصوصًا أن فيديل كاسترو شخصيًا قد قدم يد العون لأبي إليان بهدف استرجاع حضانة ابنه، لهذا أصبح إليان رمزًا ضد النظام الحاكم في كوبا، ورمزًا للجالية الكوبية بأمريكا، وقد أيد بدوره بيل كلينتون رئيس أمريكا آنذاك أن يعود الصغير أدراجه لحضانة والده حتى يخفف من التوتر القائم بين الدولتين، وفيما لم يزل الصغير يعاني نصب عينيه ألم فقدان والدته، انقسمت الآراء ما بين المؤيدة لبقاء الصغير بميامي ومنحه حق الإقامة والجنسية، خصوصًا وأن الاستثناءات القانونية الأمريكية كانت تحمي الكوبيين المهاجرين الذين يصلون للأراضي الأمريكية، وما بين المعارضة والمطالبة بعودة الطفل إلى كوبا لحضن أبيه، فبدأ الشعب الكوبي في تنظيم سلسلة من المظاهرات الضخمة سواء بميامي أو بكوبا.

كبرت القضية شيئًا فشيئًا لتصبح ذات بعد سياسي أكثر منه إنسانيًا إلى أن وصلت للمحكمة التي صدر عنها حكم بإرجاع إليان غونزاليس إلى أبيه بعد أن أصبحت القصة قضية رأي عام ذات طابع دولي، بيد أن عائلة إليان بميامي قد استنكرت الحكم الذي نفذ إجبارًا في الثاني والعشرين من أبريل (نيسان) سنة 2000، في منظر بشع لا يمكن أن يفارق أذهان كل المتابعين للقضية من أنحاء العالم؛ مجموعة من العناصر المسلحة لشرطة الحدود يخرجون الصغير إليان من خزانة للملابس بالقوة حاملين بنادق رشاشة في وجه الطفل، ودوناتو دالريمبل، أحد الرجلين اللذين أنقذا الصبي من البحر، وقد التقط صورة لهذا المنظر المروع آلان دياز مصور وكالة «أسوشيتد برس» والتي فازت بجائزة بوليتزر لتصوير الأخبار العاجلة سنة 2001.

تم نقل إليان إلى واشنطن العاصمة لجمع شمله مع والده، وقد عادوا معًا بعد ذلك إلى كوبا واستُقبلوا بحفاوة كبيرة من طرف فيديل كاسترو، الذي حضر بنفسه في حفلات عيد ميلاد إليان، ليس هذا فقط، بل قد تمتعت عائلة غونزاليس بمعاملة خاصة ولسنوات.

بالرغم من أن الطفل ووالده قد حاولا الابتعاد عن الأنظار، إلا أنهما قد بقيا محط اهتمام، خصوصًا وقد لوحظ وجودهما بشكل متكرر في أحداث وطنية مهمة، إضافة أن فيديل كاسترو قد أدرج إليان غونزاليس في اتحاد الشباب الشيوعي سنة 2008، وفي سنة 2010 صُور هذا الأخير في بدلة خاصة بأكاديمية عسكرية كوبية بشكل متكرر.

قال إليان غونزاليس في مقابلة أجريت معه سنة 2015 إنه يود العودة إلى الولايات المتحدة الأمريكية كسائح «لرؤية لعبة البيسبول، وزيارة متاحف واشنطن، والتحدث إلى الأمريكيين».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد