«ماذا يعني الصبر؟ إنه يعني أن تنظر إلى الشوكة وترى الوردة، أن تنظر إلى الليل وترى الفجر، إنَّ عشَّاق الله لا ينفد صبرهم مطلقًا؛ لأنهم يعرفون أنه لكي يصبح الهلال بدرًا، فهو يحتاج إلى وقت». أَلِفْ شَفَقْ.

ما أكثر الروائيين الذين نقرأ لهم، لكن ما أندر مَن تترك كلماتهم بصمة في ذاكرتنا، و«أَلِفْ شَفَقْ» واحدة من هؤلاء الروائيين الذين فرضوا أنفسهم على قلوبنا، ويكفي أن تقرأ لها سطرًا واحدًا لتحبَّ لها رواية، أو أن تقرأ لها رواية واحدة لتحبَّ لها جميع أعمالها، أو أن تقرأ جميع أعمالها لتحبَّها هي كاملًا، ولا عجب فمن أحبَّ ما كُتب أحبَّ من كَتب!

فمن تكون «أَلِفْ شَفَقْ»؟ وما السرُّ وراء نجاحها برغم صغر سنها؟

وُلدت «أَلِفْ شَفَقْ» في 25 أكتوبر (تشرين الأول) 1971، في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، وهي روائية تركية تكتبُ باللغتين التركية والإنجليزية.

وكثيرًا ما يجد الناس حرجًا في نطق اسمها، بين «أَلِفْ« و«إِيلاَفْ»، وبين «شَافَاقْ» و«شفيق»، والحقيقة أنَّها تُدعى بالتركية «أَلِفْ شَفَقْ» أمَّا بالعربية فتدعى «إِيلاَفْ شَفِيقْ»، وكلاهما سليمُ النطق والكتابة، لكن الأَحْوَطَ نُطقها بلغتها الأُم كونها تُركية الدم والجنسية والاسم.

كانت ثمرة زواج بين الفيلسوف التركي نوري بيلغين، والدبلوماسيَّة شفق أتيمان، ولعلكَ انتبهتَ أنَّ أَلِفْ شَفَقْ حملت اسم أمها ولـم تحمل اسم أبيها، والسبب وراء ذلك أنَّ هذا الأخير قد طلَّق أمها وألف ابنة سبع سنوات، ففضَّلت اسم أمِّها كَاسْمٍ أدبي توقِّع به أعمالها بدلًا عن اسم والدها، تخليدًا لاسم أمها التي جاهدت على تربتها لوحدها.

انتظرت أَلِفْ شَفَقْ 34 سنة كي تصير زوجةً؛ إذْ تزوَّجت عام 2005 من الصحافي التركي أيوب خان وأنجبت منه بنتًا وابنًا، فسمَّت البنت زِيلْدَا على اسم الروائية والشاعرة والراقصة الأمريكية زِيلْدَا فِيتِزْجِرَالِدْ، وسمَّت الابن الزَّاهِرْ على اسم بطل إحدى قصص بُورْخِيسْ للشاعر والناقد الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس الذي أحبَّته منذ طفولة مطالعتها له.

أَلِفْ شَفَقْ ليست روائية هاوية فحسب

من الـمهم أن يكون القارئ على سابق علمٍ أنَّ أَلِفْ شَفَقْ ليست روائية هاوية وحسب، وإنما هي أستاذة ذات طراز نُخبوي؛ وحسبُكَ أنها حاصلة على شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة الشرق الأوسط التقنية في تركيا، وشهادة الماجستير في الجندر والدراسات النسوية عن موضوع الإسلام، والنساء، والتصوف، ونالت عنها جائزةً من معهد علماء الاجتماع، وأخيرًا شهادة الدكتوراه في العلوم والفلسفة السياسية من الجامعة ذاتها.

إذًا أنتَ أمام روائية عالَميَّة ذاتُ سيرة ذاتية من الـعيار الثقيل، ولعلَّ السواد الأعظم من الشغوفين بالقراءة يَلحظون أنَّ الروائيين الذين يكون لهم مستوى أكاديمي عالٍ، ما أسهل ما تَطبق شهرتهم الآفاق أيًّا ما كان صنف كتابهم؛ لأنهم خلقوا لُحمة بين السرد الروائي والبحث الأكاديمي، هذين السِّرَّين اللذين ضربَ عليهما الكُتَّاب الغربيون، فباتت جلُّ اختراعاتهم العلمية هي من بنات أعمالهم الأدبية وهو ما اصطلحوا عليه بـ«أدب الخيال العلمي».

وعليه فإيلاف شفيق لـم تحصد شهرة من منطق روايات ليست ذاتُ بال، كتلكَ التي تتناول العواطف المستهلكة بلغة منكسرة، فلا شهرة حصد أصحابها، ولا اختراعًا أثمرت أعمالهم.

أنتَ أمام روائية درَّست في جامعات عديدة؛ في تركيا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية، وهي الآن تشغل منصب أستاذة في الأدب الأوروبي المقارن في جامعة أكسفورد.

أنتَ أمام روائية أثرت الخزانة الأدبية بأزيد من 16 مؤلَّفًا، وتُرجمت أعمالها إلى ما يزيد عن 40 لغة، وزارت أكثر من 30 دولة، وتنشر بانتظام في مواقع وصحف ومجلات تركية وعالـمية، كموقع الجارديان، وصحيفة «نيويورك تايمز»، ومجلة «وول ستريت».. أرقام عالَمية في شؤون ثقيلة.

ذكاءُ أَلِفْ شَفَقْ عند تمرير الرسائل:

قد أجمع البُسطاء والأخصَّاء أن أَلِفْ شَفَقْ كاتبة ذكيَّة، تنتقي موضوعاتها انتقاءً شكَّل لها قاعدة قرائية عريضة، والقارئ الذي سَبَرَ رواياتها يلحظُ أنها ذكية في تمرير رسائلها، فلطالـما عوَّدت قرَّاءها على طَهْوِ حكاياتٍ تحسُّ أنك تعيشها، وربَّما سَخَّنتها بتاريخ مسكوت عنه، وتبَّلتها بمشاهد حيّة، فما أسهل ما يصير الموضوع الشائك شائقًا بقلمها.

وتناولت في روايتها الشرف فكرة أن جسد المرأة ملك لها، وحملت لواء الدفاع عن الـمرأة حتى أنها أدانت التفسير الظاهري للقرآن الذي يلجأ إليه الأصوليون القائم على دين الخوف الذي ينتهجونه، لا سيَّما حينما فسَّروا قصة زليخة بأنها الزوجة الـمدلَّلة التي خانت زوجها واتَّهمت يوسف بمحاولة اغتصابها.

وفي الجهة الـمقابلة أثنت على التفسير الباطني للقرآن القائم على دِين الـحب الذي ينتجه الصوفيون، لا سيَّما حينما فسَّروا القصة أنَّ زليخة إنسانة وقعت في الحب لا أكثر من ذلك ولا أقل.

وكما فعلت في روايتها بنات حواء الثلاثة حينما انتقت ثلاثة نساء إحداهن متدينة والثانية مُلحدة والثالثة مترددة، فجعلتهم برغم اختلاف الـديانات والجنسيات والثقافات صديقات، محاولة تمرير رسالة أنَّ حدوث الـمعايشة غير مرهون بوحدة المعتقد، بقدر ما هو مشروط بوحدة الإنسانية فقط.

وكانت ذكية في انتقاء عنوان روايتها مرآة مصغرة حينما أرادت التعبير عن تركيبة الشعب التركي المختلف الأيديولوجيات من خلال معاناة فتاة تعيشُ في أسرة صغيرة تتكوَّن من أبٍ يؤمن بالمبادئ الكماليّة، وأمّ متشدِّدة ترتدي الحجاب، أمّا الأَخوان فالأكبر يَساري ماركسي، والأصغر قومي مُتعصِّب.

وبينما أنا أقلب صفحات سيرتها ألفيتُ شيئين ميَّز أعمالها عندي، أمَّا الأول فإنَّ جميع رواياتها عند صدورها تحصدُ أعلى الـمبيعات، وتنال أكثر من جائزة، إن محاولة تأليف رواية أمر شاقٌّ جدًّا، فكيفَ عند تأليفها ووصولها إلـى قرَّاء بالـملايين، وظفرها بالجائزة والاثنتين والثلاث؟!

لا شكَّ أنَّ هناك سرًّا مُودعًا في ثنايا كتاباتها، سرًّا لا ينبغي أن يبقى سرًّا مقتصرًا على الإليفيَّة بقدر ما ينبغي أن يكون سياسة يُعمل بها، حتَّى لو تطلَّب الأمر أن يكون نهجًا روائيًّا يحمل اسمها!

وممَّا يُدهشُ القارئ في شخصها أنها عاشت أكثر ما مضى من حياتها حتى الآن خارج تركيا، غير أنَّ كتاباتها تكاد لا تحيد عن ذكر تُركيا قيد أُنملة!

اقرأْ ما شئتَ لها: الشر في عيون الأناضول، أو الصوفي، أو شرف، أو مدينة المرايا، أو خاص، أو قصر القمل، أو المطهر، أو مد وجزر، أو لقيطة إسطنبول، أو حليب أَسْود، أو الحب، أو رقاقة، أو الإسكندر، أو بنات حواء الثلاثة، أو قصر البرغوث، أو أنا وَمُعَلِّمي.

اقرأْ ما شئتَ فلن تخرج بعد الفراغ من القراءة لها كما دخلت أوّل مرَّة.

كما يغلب على حواراتها الروائية البعد الرباعي: الفلسفي والديني والتاريخي والسياسي، لذلك يُنصح لقرَّائها بالصبر عند القراءة لها كونها من أدباء القضية الذين يكتبون بعمق دون الارتكاز على عنصر التشويق فحسب.

الكاريزما الإليفيَّة

لـمْ تكنْ أَلِفْ شَفَقْ امرأة من زجاج فيسهل كسرها، ولا كانت امرأة من ورق فيسهل حرقها، وإنما كانت امرأة من فولاذ، واجهت الظروف من دون ضعف، وتكلَّمت عن الطابوهات دون خوف، والـمتغلغل في رواياتها يستشفُّ جرأتها الـموضوعية في طرح القضايا وتفكيكها.

ولعلَّ من ذلك ثاني رواياتها لقيطة إسطنبول التي أصدرتها عام 2006، حيثُ حقَّقت مبيعات هائلة في تركيا وخارجها، فكانت سببا في ملاحقتها قضائيا بتهمة إهانة الدولة التركية، إذ تحدثت عن مذابح العثمانيين ضد الأرمن، وهي من التاريخ المسكوت عنه في تركيا!

ومن ألفتِ ما يجذب الناس إليها الكايزما التي تظهر بها، ومدى إبراز قوتها من خلال أجوبتها، حدثَ أن سألها صحفيٌّ: لـماذا تدعمين انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي بشكل لافت؟ فأجابته: أوروبا تحتاج إلـى تركية كذلك، لدينا جميعًا نفسُ الـمُعْضِلة!

فتأمَّل كيفَ أظهرت في جوابها قوة بلدها، وأبانت أنَّ تركيا ليست وحدها من تحتاج الإتحاد الأوروبي، وإنما هي حاجة متبادلة!

بل حتَّى لـمَّا اعترفت في حليبها الأسْودبهزيمتها أمام إحساس الأمومة الذي سبق لها أنْ رفضته، أبدعت في توصيف هزيمتها، معتبرة أنَّها ليست هزيمة المغلوب بقدر ما هي هزيمة المُحبِّ، كانت نظرتها مشرقة حتى لهزيمتها.

ومن يعرفها عن كثب يَميزُ مدى حرصها على إخفاء مواطن الوجع لديها، بل إنَّها واحدة من القلائل اللاتي نجحن في تحويل نقاط ضعفهن إلـى نقاط قوة، لعلَّ من ذلكَ طلاقُ والدها لأمها وهي بعد ابنة عامٍ فقط، بينما حينما حدَّثت عن ذلكَ قالت: لـمْ أنشأ في أسرة تقليدية ذات نظام أبوي، وذلك جعلني أكثر استقلالية وأتاح لي فرصة القيام بأشياء كثيرة ربما منعت منها مثيلاتي ممن عاشوا تحت سلطة الأب.

فتأمَّل توصيفها لعيشها دون أبٍ بـ«الاستقلالية»، وكأنها تريد أن تقول للنساء اللواتي عشنَ دون رجل أبًا كان أم زوجًا، أنْ يتعلَّمن كيفَ يُسندن أنفسهن بأنفسهنَّ، ويُخرجن من رؤوسهنَّ فكرة أنَّ النهضة الأنثوية دون السند الذكوري مستحيلة.

أَلِفْ شَفَقْ تبريزِيُّ قرن الواحد والعشرين

برغم طلاق والدها لأمَّها وهي ابنة 07 سنوات، بيد أنها لـم تمثل دور الضحية بحجَّة الشتات الأسري، تزوَّجت وعمرها 34 سنة بيد أنها لـم تنحرف بحجَّة طول عزوبتها، وقفت كنخلة أمام إعصار الظروف، وعلَّمتنا أنه لا يوجد ظروف قاهرة، ولكن توجد نفوس ضعيفة تجبن عن الـمواجهة.

ولـمَّا شاء القدر ألاَّ تُولدَ في عائلة مرصوصة البنيان، لـمْ تندُبْ حظَّها وإنما غطَّت هذا النقص العائلي بمتعة سفرياتها؛ فقد كان فيها شيء من الدرويش شمس الدين التبريزي لا سيَّما من حيث التِّرحال، واحتوى شخصُها خَلْطَة ثقافية ساحرة، إذْ تعتبر تركية الأصل فرنسية المولد، وأمضت طفولتها متنقلة بين مدريد وعمَّان وكولونيا، وهاجرت إلى الولايات المتحدة لتواصل دراستها، والآن هي تعيش ببريطانيا.

وطالت هذه الخَلطة كتاباتها فمزجت بين التركية والإنجليزية، وأصدرت روايتها قواعد العشق الأربعون بأمريكا، الأمر الذي جعل هذا الخليط البُلداني والثقافي مُسهمًا في تشكيل ذهنيتها.

تُنقِّبُ في الآخرين عن الحب، وأيًّا ما كان معتقد الآخر وثقافته وجنسيته فإنها تقبله بدل إقصائه، ترى في الإنسان إنسانيته قبل دِينه، حتَّى تودُّ لو أنكَ سألتَها: هل أنتِ تبريزيُّ القرن الحادي والعشرين؟

هكذا تنفضُ الـمرأة الغبار عن نفسها

تظهر نزعتها الأنثوية للدفاع عن الـمرأة في روايتها شرف تلك الرواية التي تجري أحداثها خلال نصف قرن بداية من عام 1945 حتى عام 1992، متناولة ذكورية المجتمعات الشرقية، التي تحاصر المرأة وسط سياج شائكٍ من التقاليد التي تنتهك حقوقها الإنسانية، وبخاصَّة أنها ناشطة نُسوية تؤمن بالمساواة وحق المرأة وحريتها في امتلاك جسدها.

كانت جادَّة في نهضويَّة الـمرأة من خلال كتاباتها، وما أكثر ما حاولتْ في جلِّ رواياتها أن تجعل الـمرأة تنفضُ الغبار عن نفسها، وتُخرجها من الـمهزومية التي وُصفت بها حتى صار الضعف والمرأة قرينين ملازمين، لا سيَّما في روايتها حليب أَسْود والتي صُنِّفت في أدب التجارب الشخصيَّة، كونها حدَّثت عن معاناتها في أن تكون كاتبة مبدعة وأمًّا ناجحة في ذاتِ الوقت، موصلةً رسالة إلـى النساء أن الأسرة الناجحة لا تحتاج امرأة تمكثُ 24 ساعة بين أربعة جدران، بقدر ما تحتاج امرأة غير استسلاميَّة.

ولأنها ابنة أمِّها فقد انعكسَ ذلكَ على كتاباتها؛ إذْ اعترفت بلَحْمَة لسانها أنَّ نشأتها في عائلة لا تحكمها القوانين الذكورية التقليدية كان له كبير الأثر على كتابتها، وما أكثر ما أثبتت في ثنايا كتاباتها أنَّ وراء كل امرأة عظيمة نفسها وليس بالضرورة رجلًا، وأنَّ الأم العظيمة لا يكسرها الطلاق بقدر ما يقوِّيها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد