إسطنبول تستنزف أرواحنا.

الرواية هي آخر عمل للكاتبة صدر في عام 2016، وهذه الرواية تعد من وجهة نظري الأفضل والأروع للكاتبة، وامتدادًا لمشروعها، وتحمل في طياتها تطورًا كبيرًا، وتقدمًا مذهلًا، وتناقش موضوعات عديدة في صفحاتها الـ600.

الرواية تقدم دليلًا على أن كل عمل لإليف أفضل من السابق فنيًّا وأدبيًّا، وأن لها مشروعًا أدبيًّا، وثقافة وبيئة وأفكارًا تعبر عنها، وإنها تحمل في جعبتها قدرات أدبية ومهارات وأفكار عديدة لم تقدمها في أقوى وأعظم مستوياتها.

الرواية تبدأ بخطين، وهما في أواخر القرن الـ20، ثم بداية الألفينيات. وفي 2016، يلتقيان ويتشعبان ويتصلان بنواحٍ عديدة، تعالج فيها الرواية قضية مهمة، وهي الإيمان بالعديد من وجهات النظر، والعديد من النظرات الاجتماعية، والنظريات الفلسفية والصوفية والروحانية، ومن خلال الأديان، ومن خلال ثقافات مختلفة، وبلدان مختلفة، ومن وجهة نظر الشرق والغرب.

بيري فتاة مشتتة تبحث عن الرب، وعن الحب، وعن إجابات عقلية، وعن حقوق وتعاطف مع الإنسان ومعاناته، ومشتتة من قبل أم متدينة وأب على النقيض، أم تتبع الدين بصرامته، وأب يقوم بشرب الخمر مع أنها محرمة، ويقدم تبريرات تبدو غريبة ومغايرة للنص الصارم، يشرب ويسكر ويقوم بمعاصٍ عديدة، وهو يساري علماني يمثل ذلك الاتجاه في تركيا، والأم على العكس صارمة جامدة تشكل صدمة الحداثة بالنسبة للمرء، وصدمة التطور والثتدم في شتى نواحي الحياة بعيدًا عن نصوص الدين الصارم، وتمثل نقيض أفكار الحداثة والعلماينة في تركيا وأوروبا عامةً.

وعلى العكس من ذلك الأب، وترينا الكاتبة في خطين حياة، وتبدع في رسم صورة المجتمع وكيف يتفاعل مع الأحداث، وصورة إسطنبول التاريخية، وصورتها في الحاضر، وصورتها في الماضي القريب، وصورتها في ملتقى قرنين، والمجتمع خلال كل تلك الفترات بشكل مكثف بسيط لا يحتاج لإسهاب، فقط اعتمدت على بعض المشاهد والأحداث ليتفاعل خلالها الشخصيات. قد تبدو بسيطة لكنها عبرت عن كل ذلك، ورسمت خيوط المجتمع ووضحته ببساطة، ووضحت تناقضات الشعب التركي بين المؤمن والمنفتح منهم، الصارم والمنبسط، وكيف يتفاعل هؤلاء الناس.

توضح وجود دين وإيمان في تركيا، وأنها ليست كلها علماينة وليست بلد إلحاد أو غيره، ويتضح الجمود في تناول الدين من قبل البعض، والانبساط من البعض الآخر، ومن خلال كل ذلك تنتج فتاة مشتتة في صراع بين هذا وذاك، تتبع هذا وتتبع ذاك، قد تصوم لكنها قد تفطر يومًا أو اثنين في شهر رمضان، قد تشرب الخمر لكن لا تأكل لحم الخنزير، قد تمارس الجنس وتشعر بالعار يلحق بها وبأهلها. هي فتاة مشتتة بين المجتمع والأفكار المتناقضة، وأخ في السجن، وتوضح السياسة في المجتمع وارتباطها بالدين، ومفهوم الإيمان، وكيف يساهم في ذلك التشتت.

وشيرين الفتاة الإيراينة الملحدة التي تتسبب قطعة قماش كالحجاب والنقاب في منفاها الأبدى هي ووالدها، وتسبب الفهم الخاطئ والتشدد العنيف لترحالها الدائم وفقدانها لمفهوم الوطن، فهي فتاة بلا وطن وبلا دين تكره التشدد ومظاهر الدين التي تمثله، وبعض الأحكام، وتمقت التمييز على أساس الدين، وهي فتاة ضحية المجتمعات الشرقية المتشددة والغلظة، وكما نرى في الخليج وبعض الدول الإسلامية كإيران وأفغانستان وغيره. فتاة تمارس الجنس مع الرجال والنساء وقتما تشاء، وكيفما تريد.

ومنى الفتاة المصرية الملتزمة والمحجبة والتي تتلقى مضايقات من قبل الحجاب على رأسها، ومن هنا يمثل ثلاث مستويات للشخص المؤمن، ومن خلال كل شخصية يوجد شخصيات حولهم تفسر، فيقدم العديد من الشخصيات الرئيسية والثانوية التي تعد نماذج لعرض الفكرة.

ونأتي مع الأستاذ والذي يدرس الرب في أكسفورد، والذي في محضاراته وفي لقاءاته ننتقل للجانب الثقافي والعلمي والصوفي والروحاني والفلسفي، فيطرح تساؤلات ويناقش أفكار في عرض ممتع، ومن خلال تفاعله في الرواية، وينتج أفكارًا عديدة، فهو يطلب رسم صورتين واحدة تمثل الرب والأخرى لا تمثله، ويتساءل هل يتجسد الرب في كل شيء، أم في الخير فقط والشر قوة خارجة عنه يجب عليه مكافحتها؟

العدالة مصطلح بشري مصنوع من قبلهم، ولا يمثل سوى أفكارهم، ولا ينطبق مع الدين والرب أم لا؟ ولم العدالة تنصب للإنسان وأنه مركز الكون؟ وهل هذا له علاقة بالحداثة وما بعدها؟ وبيري بعد سنوات تنجب فتاة تمثل المجتمع بعد الحداثة، المجتمع العصري وشباب العصر الحالي في تصرفاتهم وغيرها، والتقدم التكنولوجي وتقدم العصر.

الرواية تقدم مفاهيم لسبينوزا، وديكارت، وابن عربي، وابن رشد، وجلال الدين الرومي، وشمس التبريزي، وأفكارًا ومفاهيم أدبية من خلال قصة ممتعة، فمن خلال محاولة سرقة حقيبة بيري تقوم بمطاردة لصوص، وتقع بين يديها هي وابنتها صورة قديمة تسقط من الحقيبة لها مع أستاذها وشيرين ومنى في أكسفورد، ومن هنا ومن خلال الخطين تتوالى الأحداث.

اللغة في النص الأصلي رائعة شديدة البلاغة، تقوم بالتحكم في الشخصيات، ورسم المكان من خلالهم والعصر، وتكثيف الأفكار وفلسفة الرواية، وخلق أحداثًا ممتعة، والتعبير عن كل شصخية وخباياها بشكل مؤثر مميز، وما يدور بداخلها، بدون فقد المتعة وتوالي الأحداث وكثرة التصوير، وعلى الرغم من الضخامة والرتم الهادئ تخلص عناصر تشويق من خلال عدد من الأفكار والنماذج غير المتناهية.

الرواية عن الحب والتضحية، الحب من مناظير مختلفة، الحب في أوقات عديدة، وتأثره بالصراعات الداخلية والخارجية، وهي عن الإيمان والدين والرب، تقدم إليف رؤية أخرى كبيرة ومتسعة بشكل مبسط من إطار آخر للحب، الرواية موضوعها الرئيسي هو الحب، لكن في بيئة معينة ووسط أفكار محددة، وهنا تشكل فكرتين تناقشها الحب والإيمان والعلاقة بينهما، وكل منهما منفردة بشكل متسع ومختلف الوجهات، وبين رسم المجتمع الأوروبي والشرقي والتركي، خاصة في فترات عديدة، وفكرة أخيرة وهي تلاقي كل شيء وتماهيه بأسلوب راقٍ وعذب ومبدع، بحس امرأة عبقرية مثقفة هادئة جميلة المشاعر تكتب بمشاعرها وبروحها، وتناقش بعقلها، وتتسارع نبضات قلبها مع كل كلمة تخطها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد