في إحدى ليالي القاهرة المملوكية وقف الشاب حائرًا على أطراف الجبل المواجة للقلعة الكبيرة، يتطلع إلىالنجوم اللامعة في السماء لعلها ترشده إلى مستقبل غاب عن الأفق، فقد كان ذاك دأبه كلما ضاقت به الأحوال في عاصمة المعز  – وهي غالبا ما تضيق – لكن اليأس لم يعرف طريقا إلى قلبه.

 

تأمل أسوار القلعة، كم تساءل عن حال ساكنها أو بالأحرى عن هوية ساكنها وأشفق عليه، ليس استحسانا أو تأييدًا لمملوك ساقه قدره إلى هذه المدينة ودروبها ورفعه إلى مصاف صفوتها، أو ربما إلى ما هو أعلى وأجلسه فوق أريكة السلطنة، وإنما لمصير بات واقعا يتكرر ولا يتغير لمن آثر تلك الأريكة في هذه الأيام، ولم يكن مصير أهالي المحروسة بأفضل من ذاك القابع بقلعة الجبل، فلقد ذاقوا من صروف الدهر وإهمال الحكام ما يفوق قدرته على الوصف،

 

وقد تذكر ما رواه له جده قبل أبيه عن قصص المجاعات والأوبئة وإزهاق الأرواح حتى ألفها واعتادها بل وإن لم يشهدها عينا، لذلك فلم يستغرب هذه الحادثة التي ضيقت صدره كمدًا ودفعته مرارًا إلى الخروج إلى الجبل. وجه بصره صوب البنيان الضخم القابع بين القلعة وبركة الفيل، بالنسبة إليه لم يكن مجرد جامع ومدرسة، فمنذ أن ترعرع وهو من رواده، شهد – هذا البنيان – صباه وها هو يشهد شبابه.

 

استرجع وقائع ذلك اليوم، السبت سادس شهر ربيع الآخر، ودار بخلده تفاصيل الحادثة.. يومها أنهى درسه في الإيوان الكبير وكما هي عادته كل ليلة أن ينصرف بعد الدرس موليا صوب دكان أبيه ليعيد على مسامعه ما تلقاه من علم، ولم يكن الدكان ببعيد، فما كاد يصل حتى سمع صوتا صم أذنيه، لبرهة ظنه صاعقة من عند الله تهلك قوما ظالمين، حاول أن يتبين مصدر الصوت فخيل إليه أنها مدرسته!

 

رأى نفرًا مدبرين تعتلي وجوههم فزعة اليوم الأكبر! فقرر أن يستوقف أحدهم ليستوضح دون جدوى إلا من عجوز هرم أبت شيخوخته أن يباري المدبرين، وشرع العجوز في ذهوله يتمتم بعبارات غير مكتملة، غير أن صاحبنا أدرك صدق حدسه الأول بأن أمرا جللا أصاب جامعه ومدرسته، فهب من فوره إزاءها مستعيذًا بالله من كل مكروه، وما إن اقترب حتى تأكد له الأمر، وكأن معركة قد وضعت أوزارها! لم يستوعب كل هذه الجثث وكل هذا الحطام!

 

لم تكن معركة بالتأكيد ولكن ماذا حدث؟! بعد أن أخبره أحد الناجين أن الدنيا إلى زوال استطرد باضطراب بأن منارة الجامع قد هوت فوق الرؤوس! فراح ينظر إلى مآذن المدرسة: واحدة، اثنتان، أين الثالثة؟ حقا فقد سقطت المئذنة التي بنيت أعلى باب الجامع! ثم هرع يتنقل بين الركام يبحث عن شيخه وأصدقاء دراسته، فوجد أكثرهم ولم ينجُ إلا قليل.

 

تجمع أهالي القاهرة وبدا له أن أحدًا لن يلامس فراشه في هذه الليلة، لم يرَ جمعًا كهذا إلا فيما ندر، انطلق مع غيره ساعين خلف كل روح لم تفارق الصدور عسى أن يقدموا لصاحبها ما تيسر من رعاية حتى يقضي الله، فإما أن يبرأ صاحبها أو ينقضي أجل عند الله مكتوب. ليلة عصيبة مرت ثقيلة كأنها دهرٌ ذاق فيها من مرارة الحزن وحرقة الأسى، فحمد الله الذي لا يحمد على مكروه سواه، ودعا بالرحمة لكل من لقي ربه تحت المنارة، قيل له إن العدد قارب ثلاثمائة نفس.

 

إلا أن اليوم التالي لم يكن بأقل جسامة من ليلته، وإن كان أقل فاجعة، فبذل جهدًا كبيرًا ليبدو متماسكا وهو يواري شيخه ومعلمه الجليل الثرى تسليمًا لقضاء الله وقدره، ثم حدث أن ترامى إلى مسامعه ما تداوله الناس حول الحادثة والشؤم المقبل: فغضب الله على المحروسة قد حل ولا محالة، فقد اجتاحت العامة حالة من التململ، فلعنة الله لا تكون إلا لفساد الحاكم ولي الأمر وخليفة الله في الأرض.

 

تهامس القوم بما جال بصدورهم، لاقت تلك الأحاديث قبولا في نفسه وفي نفس غيره ممن سمعوها وروجوا لها سرا خشية البصاصين، وكان مع أبيه أمام الدكان حين مر الشيخ بهاء الدين أبو حامد بسوق المحروسة وبدا منزعجًا مما تتناقله ألسنة القوم، فالشيخ بهاء الدين يعلم خطورة مثل تلك الهواجس: ليس قلقًا من العامة وإنما خوفًا من أن يستغلها أحد الأتابك. فبادر الشيخ بهاء الدين يحدث الناس عن الحادثة قولا لم يفارقه بعد ذلك، حيث قال الشيخ فيما قال:

 

إن المنارة لم تسقط لمنقصة… لكن لسر خفي قد تبين لي
من تحتها قرئ القرآن فاستمعت… فالوجد في الحال أداها إلى الميل
لو أنزل الله قرآنا على جبل… تصدعت رأسه من شدة الوجل
تلك الحجارة لم تنقض بل هبطت… من خشية الله لا للضعف والخلل
وغاب سلطانها فاستوحشت ورمت… بنفسها نجوى في القلب مشتعل
فالحمد لله حظ العين زال بما… قد كان قدَّرَه الرحمن في الأزل
ودمت حتى ترى الدنيا بها امتلأت… علمًا فليس بمصر غير مشتغل

 

فاستحسن القوم ما سمعوا وسلموا أمرهم إلى الله ثم السلطان، وتناقلت الألسن ما طربته من بلاغة القول ونظمه، كما أسهب أبوه في الثناء على الشيخ بهاء الدين عملا وعلما وقولا، بينما ظلت صورة شيخه وأصدقاء دراسته لا تبارحه، ربما لأنه لم يعتد بعد مثل قول الشيخ بهاء الدين.

 

كان شاهدًا عندما علم بمقتل السلطان بعد سقوط المئذنة فوق الرؤوس بثلاثة وثلاثين يومًا، السلطان صاحب الجامع والمدرسة لم يعثر على جثمانه أو حتى على مكان دفنه، أما الجامع والمدرسة التى حملت اسمه “السلطان حسن بن محمد بن قلاوون” فقام من بعده طواشيه يتابع البناء ويشرف على عمرانه واكتماله حتى صار صرحًا عظيمًا تناقلت الأفواه بديع قالبه وحسن هندامه ودقه تصميمه.

 

أما الشيخ بهاء الدين فلا يذكره أحد ببر المحروسة، وإن كانت أبياته ما زالت حاضرة، ففي نفس السوق مر الشيخ تقي الدين – من بعد بهاء الدين – يصحبه بعض الأعيان مادحين السلطان الجديد وشاكرين الله أن ولى علينا رجلا رشيدًا. وبدا أهل المحروسة على حالهم ودأبهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

* الواقعة مذكورة بكتاب المقريزي تحت عنوان جامع الملك الناصر حسن، أما التفاصيل فهي من وحي خيال المؤلف.
عرض التعليقات
تحميل المزيد