«لا تقلق يا صغيري ولا تحزن، سوف يأتي آخر الزمان المهدي المنتظر؛ ليخلص القدس من أيدي اليهود.. إنها إحدى أهم علامات الساعة الكبرى ولن تقوم القيامة إلا بظهوره».

إذا كنت مسلمًا فلا شك لديّ، أنك سمعت هذه الجملة ولن أسأل عن أي مذهب تتبع، أو أي فرقة، فأكثرهم في انتظار هذا المخلص، الذي سيجيء للأرض؛ ليملأ الأرض عدلًا، ويقضي على الجور والظلم.

أكتب مقالي وقبل أن أتمه أقول الله أعلى وأعلم!، ولكني أكتبه بناءً على ما دلني عليه بحثي، وما أكده لي عقلي أنه هو المنطق، وصميم الإيمان، هدم الخرافة والاتكال على الله لا التواكل.

يرجع أول ذكر للمهدي المنتظر في الإسلام إلى زعم «كيسان» –وهو مولى علي بن أبي طالب– في «محمد ابن الحنفية»، وهو ابن «علي بن أبي طالب» من أم من بني حنيفة نسب إليها، فقد زعم «كيسان» إمامة «محمد»، وأنه مقيم بجبل رضوى، قريبًا من المدينة، وإلى هذا أشار أحد الشعراء وهو «كثير عزة»، وكان كيسانيًا فقال:

وسبط لا يذوق الموت حتى     يقود الخيل يقدمها اللواء
تغيب لا يُرى فيهم زمانًا        برضوى عنده عسل وماء

ولكن ابن الحنيفة قد توفي سنة 81 هجريًا، ولم يشأ الكيسانية أن يؤمنوا بموته، وقالوا بغيبته وبانتظاره حتى يعود، وهذا أسس لفكرة الإمام المنتظر عند الإمامية الاثني عشرية.

وانتشرت الأسطورة خاصة بين الشيعة، ووضعت فيه الأحاديث المختلفة، ولم يرو مثلًا البخاري ومسلم شيئًا عنها، وإنما ذكرها الترمذي وأبو داود وابن ماجه مثل ما روى أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد قال: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلًا مني أو من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي». وجاء أيضًا أن الرسول قال: «لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلًا من أهل بيتي يملؤها عدلًا كما ملئت جورًا».

انتشرت الفكرة انتشار النار في الهشيم في العهد الأموي، وكان أكثر دعاتها من الشيعة، حتى إن البيت الأموي نكاية في الشيعة اخترع له مهديًا سماه «السفياني» وقد ذاع وانتشر خبره، وقد جاء في الأغاني: «كان خالد بن يزيد بن معاوية يوصف بالعلم ويقول الشعر، وزعموا أنه هو الذي وضع خبر السفياني وكبّره، وأراد أن يكون للناس فيه طمع حين غلبه مروان بن الحكم على الملك وتزوج أمه أم هاشم».

وتقابل الجمعان في وضع الأحاديث التي تؤكد صحة ما قالوا وادعوا، حتى قيل في حديث عن الشيعة أن المهدي إذا خرج سيقابل السفياني، فسيبايع الناس يومئذٍ المهدي بمكة بين الركن والمقام، ثم إن المهدي يقول: أيها الناس اخرجوا إلى قتال عدو الله وعدوكم، فيجيبونه ولا يعصون له أمرًا، فيخرج المهدي ومن معه المسلمين من مكة إلى الشام لمحاربة عروة بن محمد السفياني ومن معه من كلب».

كما جاء في تاريخ الطبري أنه في حوادث سنة 132 أيام النزاع بين الأمويين والعباسيين أن جماعة من أهل قنسرين وحمص وتدمر تجمعوا، وقدمهم ألوف عليهم أبو محمد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، فرأسوا عليهم أبا محمد، ودعوا إليه فقالوا: «هو السفياني الذي كان يُذكر، وكانت موقعة شديدة هزم فيها أتباع أبي محمد وقتل وأرسلت رأسه إلى المنصور».

ولما كان الدافع سياسيًا وراء اختلاق تلك الأسطورة عز على العباسيين ألا يكون لهم مهدي أو سفياني، فوضعت لهم الأحاديث، وروى الطبراني عن ابن عمر أن رسول الله كان في نفر من المهاجرين والأنصار، وعلي بن أبي طالب عن يساره، والعباس عن يمينه، إذ تلاحى العباس ونفر من الأنصار، فأغلظ الأنصار للعباس، فأخذ النبي بيد العباس وبيد علي وقال: «سيخرج من صلب هذا فتى يملأ الأرض جورًا وظلمًا، وسيخرج من صلب هذا فتى يملأ الأرض قسطًا وعدلًا، فإذا رأيتهم هذا فعليكم بالفتى التميمي فإنه يقبل من قبل المشرق، وهو صاحب راية المهدي».

كان للشيعة أسباب سياسية ودينية واجتماعية دفعتهم لاختلاق الأسطورة، وذلك بعد انكسار شوكتهم وانتقال الخلافة إلى معاوية وتسليم الحسن الأمر له ومن ثم مقتل الحسين، بثت تلك الانكسارات اليأس في نفوس الأتباع، وخافوا أن يذوب حزبهم، فبدأ البعض يعيد النظر ويبشروا بأن الحكم سيعود إليهم وأن بني أمية سيهزمون، ولا يقوم هذا إلا بإخفاء الدعوة والقيام حول رئيس واحد للشيعة يسمى الإمام ويلقبونه بأنه الخليفة حقًا فهو الإمام المعصوم ورأوا بث الرجاء والأمل في نفوس الأتباع حتى يثبتوا، والأمر مهما طال أو قصر فإنه ينتظر الأمويين الخذلان العاجل.

ولما كان الشيعة هم الأساتذة الأولين في هذا الموضوع قلدهم خالد بن يزيد الأموي لما فشل وخرج الحكم من بيته إلى بيت مروان بن الحكم، ثم قلدهم العباسيون بشكل آخر فسلموا بالمهدي واستغلوا الفكرة، وادعوا أن المهدي فيهم لا في شيعة علي، واستغل هؤلاء القادة المهرة أفكار الجمهور الساذجة المتحمسة للدين ودعوته ونصرته، فوضعوا لهم الأحاديث وأحكموا أسانيدها، وأذاعوها من طرق مختلفة فسلم الجمهور الطيب لسذاجته، وسكت الشيعة لأنها في مصلحتهم، وسكت الأمويون لأنهم قلدوها في سفيانهم، وكانت تلك المؤامرة التي خلقت الأسطورة وأفسدت عقول الناس.

ولكن ظهر الشيعة الزيدية ينكرون المهدي والرجعة إنكارًا شديدًا، وقد ردوا في كتبهم الأحاديث والأخبار المتعلقة بذلك، ورووا عن أئمة أهل البيت روايات تعارض رواية الأئمة الاثني عشرية.

أخذت الأسطورة تتدفق وتسيل حتى صبت في جدول الصوفية، فاتخذوا الفكرة، وكالعادة غيروا التسمية فسموه قطبًا، وكونت مملكة من الأرواح، وعلى رأس هذه المملكة الروحية القطب، وهو نظير المهدي في التشيّع، والقطب هو: الذي يدبر الأمر في كل عصر، وهو عماد السماء، ولولاه لوقعت على الأرض.

وقد قال «ابن تيمية» في بعض فتاويه: «وأما الأسماء الدائرة على ألسنة الكثير من النساك والعامة، مثل الغوث الذي بمكة، والأوتاد الأربعة، والأقطاب السبعة والأبدال الأربعين، فهي ليست موجودة في كتاب الله ولا مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم لا بإسناد ضعيف أو محتمل».

وهكذا كون الصوفية مملكة باطنية وراء المملكة الظاهرية، اتخذوا فيها المهدي، وغيروا ألفاظها وكملوا نظامها، وجعلوها سابحة في الخيال، فأفسدوا عقائد وعقول الناس وأبعدوهم عن المنطق في التصرف في شئون الدنيا، وقعدوا بهم عن المطالبة بإصلاح الحكم وتحقيق العدل، فظلوا هم في خيالهم، وظل الحكام في فسادهم، وذهبت حال الأمة إلى السوء.

ولم يسلم أتباع السنة والسنيين فتحت تأثير الصوفية بدأوا هم أيضًا مثل الشيعة بانتظار المخلص الإلهي المهدي المنتظر الذي سيظهر ليملأ الأرض عدلًا بعد جورًا، وأصبحت قبور بعض شيوخ الصوفية بالنسبة للسنة مزارات للناس وأماكن لإقامة الشعائر وتقديم النذور، كما هو معروف لدى الشيعة عند أئمتهم الذين بالنسبة لهم هم المثل الأعلى لثورتهم.

ولما كانت أسطورة المهدي دائمًا ما تظهر عند الحاجة إليها وقت الضعف وانكسار الشوكة، فلا بد ذكر أن فكرة المهدي دخلت العقيدة السنية مباشرة بعد انحطاط الخلافة، فيقول الدكتور «علي الوردي» في دراسته عن سيسيولوجيا الإسلام حسب كلام المستشرق «مكدونالد» الذي ألف موسوعة في الإسلام: «إنهم في وسط العتمة المتزايدة وعدم اليقين –الديني والاجتماعي والأخلاقي والعرفاني– تشبثوا بفكرة المنقذ في آخر الزمان».

إذن أصبح السنة مثل إخوانهم الشيعة مضطهدين ويساء معاملتهم، فبعدما كانوا أبناء الطبقة الحاكمة الغنية وواقعيتها، نزلوا إلى طبقة المحكومين التي تنزع إلى الخيال والأوهام، فأخذوا يتطلعوا إلى المنقذ الإلهي الذي من المفترض أن يعيد المجد القديم والمثل العليا في الإسلام.

ولكن الاختلاف واضح بين السنة والشيعة في هذا الموضوع، فالشيعة بمثاليتهم ووصفهم لإمامهم المنتظر يقلصوا من فرص ظهوره دائمًا حتى أنه لم يظهر حتى الآن شخص بارز مدعي المهدية من الشيعة إلا –الباب– وهو «علي محمد رضا الشيرازي» الذي ظهر في بلاد فارس وأسس الحركة البهائية المعروفة، فالمهدي الشيعي وهو إمامهم الثاني عشر ولد عام 255 هجرية، وما زال حيًّا، واختفى من العالم، والتجأ للجزيرة الخضراء حيث ينتظر الأمر الإلهي بالظهور وإنقاذ المؤمنين وهو حي بمعجزة الله، أما في السنة أكثر واقعية فهو رجل عادي يولد ويكبر مثل أي رجل آخر وفي اللحظة المناسبة يرفع صوته ضد غيبوبة الناس، ثم يعيد الإسلام لمجده الأول بقوة من الله، لهذا كثر مدعو المهدوية من أهل السنة كما سنعود إليه لاحقًا.

لا شك أن تلك الأسطورة المفتعلة قد أثرت تأثيرًا كبيرًا على المسلمين سلبيًا فكل ما هو إيجابي متروك لحين عودته آخر الزمان ليخلصنا، فما هو مضروب حوله من تعظيم شأن وعصمة جعلت الاعتقاد فيه أنه يملك أخبار الزمان والمعارك والفتوحات، واختلقت الكثير من الإسرائيليات في الحديث حوله عند كعب الأحبار ووهب بن منبه، وجُعلت كل تلك الكرامات والأساطير أحاديث تروى عن النبي.

كل هذا ضلل الناس وأفسد عقولهم وأخضعهم للوهم الأكبر وهو عودته آخر الزمان محررًا مخلصًا، فكان أثر ذلك العديد من الثورات المتتالية في تاريخ المسلمين، ففي كل عصر يخرج شخص يدعي المهدية، وكان من هذا الذي كان من المهدي رأس الدولة الفاطمية، وفي تاريخ المغرب لا يخلو عصر من خروج مهدي، وأيضًا في السودان خرجت الثورة المهدية لقائدها مدعي المهدية، كل هذا تعاقبًا على تاريخ الإسلام سبب تشتيتًا للدولة وانقسامها وضياع قوتها، واليوم يخرج علينا في برامج التلفاز ربما في السنة أكثر من ثلاثة أشخاص يدعون المهدوية وقد رأيتهم هذا العام في التلفاز، وهذا كله جرته علينا خرافة المهدية، فهي لا تتفق وسنة الله في خلقه، ولا تتفق والعقل والصحيح وقد ظن سابقًا الأستاذ «أحمد أمين» هذا الظن فقال: لعل تقدم الناس في عقلهم ومعارفهم وتقدمهم في الحكم ونظامه وما ينبغي أن يكون، يقضي على البقية الباقية من هذه الخرافة، ويحول الناس إلى أن ينشدوا العدل، ويعملوا بأيديهم وعقولهم في إيجاد الحكم الصالح، ويحل ذلك كله محل المهدي المنتظر، فخير لهم أن يطلقوا العقل في الواقع لا في الخيال، وأن يعملوا على تحقيقه في دنيا الحس والعقل لا دنيا الأوهام.

وختامًا، لن يأتي هذا اليوم الذي نرى فيه الدنيا ملئت كلها عدلًا ويحكمها المهدي الذي خلصها من الشرور، إن العدل لا يعطيه الله هبة منه لأمة ظالمة مستكينة، على كل شخص فينا أن يكون مهديًا بطريقته، أن نغير ما في أنفسنا حتى يغير الله ما نعيش فيه، فالعدل والخلاص والتحرير والعزة والمجد لن تأتي إلا بعقد العزم وشد الهمة والتفكير والتغيير الفعلي، وليس الارتكان إلى ما توارثنا من أساطير الأولين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

دراسة في سوسيولوجيا الاسلام علي الوردي
ضحي الإسلام أحمد أمين
عرض التعليقات
تحميل المزيد