في مسيرته من الإلحاد إلى الإيمان العميق

مرت يوم 3 يوليو (تموز) ذكرى وفاة العلامة العبقري الأستاذ الدكتور عبد الوهاب المسيري صاحب موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية.

المفكر الفيلسوف السياسي الوطني عاشق الوطن والإسلام.
بدأ حياته الفكرية أستاذًا للأدب الإنجليزي بجامعة عين شمس وانتهت به مسيرته العلمية كأكبر فلاسفة الشرق الإسلامي ومنظري الفكرة الإسلامية في مواجهة العلمانية الغربية.

بدأ حياته العقدية ملحدًا عتيد الإلحاد ساخرًا من كل فكرة دينية أيًا كانت حيث رآها كلها مجرد أساطير وخرافات لا تخدع إلا السذج والجهلاء. وانتهت حياته منظرًا للمشروع الفكري الإسلامي.

وخلال هذه الرحلة العقلية والفكرية مر المسيري بالكثير من المحطات والتجارب العقلية التي تطورت بفكره إلى مستوى فلسفي غير مسبوق بلا مبالغة جعلته المنظر الأول فلسفيًا للإسلام في الشرق والغرب وذهبت أفكاره ونظراته إلى أقصى أعماق الفكرة الإسلامية والتي لم يسبقه إليها أحد.

نشأ المسيري في الجامعات المصرية في وقت كانت موجة الإلحاد طاغية والتيار اليساري يكاد يكون هو التيار السياسي الوحيد في مصر ومعه ظهرت أسماء كثيرة داخل موجة الإلحاد كمحمد عمارة ومصطفى محمود وعادل حسين وآخرون.

إلا أن احترامه الحقيقي للعقل والعلم وللموضوعية في البحث عن الحقيقة بعيدًا عن التحيزات والتقاليد الموروثة والمواقف النفسية المسبقة والتي تغلق على الباحث طريق الوصول إلى الحقيقة كل ذلك ساعده في الوصول في محطته الأخيرة إلى هدى الإسلام وسكينة القلب المؤمن ويقين العاقل المفكر وبلاغة لسان الفيلسوف الداعية.

تجربة المسيري تكاد اليوم أن تتكرر مع الكثير من شباب الأمة الذين تجرفهم موجة الإلحاد المعاصرة، والذين لا شك سيصلون إلى ما وصل إليه المسيري فى نهاية رحلته إن أخلصوا قصد البحث عن الحقيقة، والتمسوا طريق البحث العلمي الموضوعي دون انحياز، واجتهدوا في البحث عن الحقيقة وعن إجابات الأسئلة الوجودية الكبرى.

وكما صنعت لنا موجة الإلحاد في ستينات القرن الماضي عمالقة في الفكر الإسلامي كالمسيري وعمارة وغيرهما ستصنع الموجة الحالية عمالقة آخرين مثلهم خاضوا نفس تجربتهم بعنفوانها وعمقها، وعانوا نفس ما عانوا مع أنفسهم ومجتمعاتهم التي تذيقهم من ألوان العذاب بالرفض والنبذ والاجتناب والاغتيال المعنوي. يوما ما سيصلون إلى نفس نتائجهم يقينا وعمقا وقوة، يملأون الدنيا إيمانا ويقينا بالإسلام كما فعل سابقوهم.

لا أخاف أبدا من أي عاقل حتى وإن تبنى الإلحاد فقوة عقله وحيويته ستصل به يومًا إلى شاطئ الحقيقة وتخرج به يومًا من ظلمات الجهل والضلال إلى أنوار العلم والهداية إن اجتهد وأخلص ولكنه لن يكون ساعتها كغيره.

لست أبدا مع هؤلاء الذين يتشنجون وتعلو أصواتهم صراخًا في وجه الشباب الذين اختاروا طريق العقل والعلم على مذهب العلمانيين بدعوى أنه طريق يبتعد به عن الله.. فغدا يعود به نفس الطريق إلى رحاب الله ولكن ساعتها ستجد إيمانه أعمق كثيرًا من إيمان من لم يجرب تجربته ويقينه في دينه أقوى كثيرًا من يقين البسطاء الذين لم يتعبوا عقولهم بالبحث ولم يسمحوا لها بالعمل.

أراهم اليوم وهم يعلنون الحرب على هؤلاء الشباب وأبحث عن نشاطهم العقلي والفكري وإسهاماتهم في إثراء الحياة العقلية للإنسان فلا أرى منهم إلا الكسل والاستسلام للموروث دون فحص أو نقد أو فهم وكأنهم يعيدون سيرة الأولين «إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون»!

وكأنهم يضنون على عجلة الحياة أن تسير أو على دولاب العلم أن يدور أو على أنوار شموس الحقيقة أن تسطع ويستمتعون بتكاسلهم وتؤذيهم حركة غيرهم.

وليس بأمثال هؤلاء تنهض حضارة أو تقوم حقيقة أو تتطور حياة!
اليوم نعيش نفس بدايات المسيري وغدا نملك ألف مسيري جديد إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد